مفتاح: الأسباب الموجبة لقانون التصرف بالأموال المصادرة بحكم قضائي مبرم
بعد أن أقرّه مجلس الشعب في 30 تشرين الأول 2023، صدّق الرئيس السوري قانون التصرف في الأموال المنقولة وغير المنقولة المُصادرة بموجب حكم قضائي مبرم، وصدر بالرقم 26، في 7 كانون الأول 2023، ونشر في الجريدة الرسمية.
وجاء القانون 26\2023 موجزاً ومقتضباً، ومتضمناً 7 مواد فقط. وأعطت المادة الخامسة منه رئيس مجلس الوزراء صلاحية إصدار نظام خاص بقواعد إدارة واستثمار ونقل ملكية وتخصيص الأموال المصادرة بموجب حكم قضائي مبرم، وذلك بناءً على اقتراح وزيري المالية والزراعة والإصلاح الزراعي.
منح القانون 26\2023 وزارة المالية مهام إدارة واستثمار العقارات الواقعة داخل المخطط التنظيمي، وكذلك إدارة الأموال المنقولة وأسهم الشركات إذا تمت مصادرتها بحكم قضائي مبرم صادر عن محكمة الإرهاب أو محكمة الجنايات. بينما تتولى وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي صلاحية إدارة الأراضي الواقعة خارج المخطط التنظيمي التي تمت مصادرتها بموجب الأحكام القضائية المذكورة.
المادة الثالثة من القانون 26\2023 نصت على نقل ملكية الأموال والممتلكات المصادرة بموجب حكم قضائي مبرم، إلى الجهات العامة. ويُحدد رئيس مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير المختص، تلك الجهات بقرار. كما أخضع القانون لأحكامه الأموال التي جرت مصادرتها قبل صدوره، حيث يتم وضع اليد عليها من أجل إدارتها واستثمارها ونقل ملكيتها للجهات العامة في الدولة.
القانون 26 أثار جدلاً واسعاً نظراً لما تضمنه من انتهاكات محتملة لحقوق السكن، الأرض والملكية. ولذا، نشرت وزارة المالية كتاباً تضمن الأسباب الموجبة لإصدار القانون. وأوضحت الوزارة أن تقنين أحكام المصادرة بموجب حكم قضائي مبرم، قد تمت استناداً لأحكام قانون العقوبات، وأحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، والقوانين النافذة الأخرى.
وصدر كتاب الأسباب الموجبة، من دون رقم أو تاريخ. وعلّل الكتاب الحاجة إلى القانون 26\2023، بعدم وجود نصوص تشريعية ناظمة لعملية إدارة واستثمار الأموال المنقولة وغير المنقولة المصادرة بموجب حكم قضائي مبرم، وأيضاً عدم وجود نصوص تشريعية ناظمة لنقل ملكية تلك الأموال إلى الجهات العامة. إذ كان تنظيم تلك الإجراءات يجري بموجب قرارات وزارية. واعتبر كتاب الأسباب الموجبة القانون 26\2023 ينظّم نقل ملكية الأموال المصادرة إلى الدولة، ويحدد الجهة التي تتولى إدارتها، بما يحافظ عليها ويضمن الاستثمار الأمثل لها.
كتاب الأسباب الموجبة اقتصر على تبرير الحاجة لقانون يشرِّع إدارة الأموال المصادرة ونقل ملكيتها إلى الدولة، ولكنه لم يبرر انتهاكات حقوق الملكية في القانون ذاته. إذ أن الأحكام القضائية المبرمة بالمصادرة، وخاصة في الجرائم المصنفة “إرهابية”، تصدر بناءً على محاكمات صورية تفتقد للمبادئ القانونية والقواعد المتبعة في الإجراءات الجنائية. إذ لا تتوفر في المحاكم الاستثنائية التي تصدر تلك الأحكام، صفة الحياد والاستقلال، ولا يحظى المحاكَمون أمامها بإمكانية الدفاع عن أنفسهم. وغالباً، ما تكون نتيجة المحاكمات معروفة مسبقاً، ومسيسة، تستهدف إيقاع أشد العقوبات على معارضي النظام ومصادرة ممتلكاتهم.
مثلاً، يشارك في عضوية محاكم الإرهاب ضباط أمن، ما يخالف شروط تعيين القضاة المنصوص عنها في قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961، ويشكل خللاً في تشكيل تلك المحاكم. كما أن المحاكمات الجارية أمامها، لا تلتزم بالإجراءات القانونية التي ينص عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية. ولا تتوفر للمتهم أمامها، ضمانات المحاكمة العادلة من حيث علنية المحاكمة وحضوريتها، وضمانات حق الدفاع. المادة السابعة من قانون إحداث محكمة الإرهاب رقم 22 لعام 2012، أعفت المحكمة من التقيد بالأصول القانونية في جميع أدوار الملاحقة والمحاكمة. وبموجب ذلك القانون، يمكن للمحكمة إصدار حكم الإدانة ومصادرة الممتلكات غيابياً. كما تنتهك محكمة الإرهاب حق المتهم في الطعن، إذ لا تخضع الأحكام الغيابية الصادرة عنها لإعادة المحاكمة في حال القبض عل المتهم. ويشكل ذلك خروجاً عن القواعد العامة التي تنص على إبطال الحكم الجزائي الغيابي عند القبض على المتهم وإعادة المحاكمة من جديد.
تلك الانتهاكات السابقة كفيلة بإبطال الأحكام الصادرة عن محكمة الإرهاب، بما تتضمنه من مصادرات لأملاك المحكوم عليهم. ويمتد أثر البطلان ليشمل كافة إجراءات نقل ملكية الأموال المصادرة إلى الدولة، بموجب القانون 26\2023.
وهنا، لا بد من التمييز بين القانون 26\2023، وبين القانون رقم 43 لعام 2023 الخاص بإحداث الهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة. القانون 43\2023، تضمن تنظيم هيئة عامة لإدارة وحماية أملاك الدولة، وتشكيلها وتحديد مهامها. وتتركز مهامها في إدارة وصيانة واستثمار أملاك الدولة والتي يمكن أن تكون أموالاً سبق أن تمت مصادرتها بحكم قضائي مبرم صادر عن محكمة الإرهاب، ثم جرى نقل ملكيتها للدولة استناداً للقانون 26\2023.
