مفتاح: استعادة الحق في المدينة وإعادة التفكير بالعدالة السكانية من منظور عمراني
في أعقاب الصراع الطويل في سوريا، جرى تناول قضايا حقوق السكن والأرض والملكية بشكل أساسي من خلال عدسات قانونية وإنسانية. ورغم أهميتها، فإن هذه الأطر غالباً ما تغفل الأبعاد المكانية والعمرانية للنزوح وإعادة الإعمار والعودة. في هذا المقال، تقترح المهندسة المعمارية والباحثة الحضرية السورية ديما راجو، قراءة نقدية متكاملة لحقوق السكن والأرض والملكية، تجعل من “الحق في المدينة” عدسة مفاهيمية وعملية لإعادة تصور التعافي العمراني في سوريا. يكتسب هذا المنظور أهمية خاصة في سياقات التهجير القسري، حيث تتحدد المطالب المتعلقة بالأرض والسكن والانتماء ليس فقط عبر الحقوق القانونية، بل أيضاً من خلال البنية المكانية، والهياكل الحاكمة، والديناميات المجتمعية.
مفهوم “الحق في المدينة”، الذي طرحه لأول مرة هنري لوفيفر عام 1968 وطوّره لاحقاً ديفيد هارفي عام 2008، لا يقتصر على الدعوة إلى الوصول العادل إلى الموارد الحضرية. بل هو مطالبة جماعية بإعادة تشكيل البيئة العمرانية، وممارسة سيطرة ديمقراطية تشاركية على الحياة في المدينة. هذا الإطار يتحدى الأشكال السائدة للحكم الفوقي والعمران الموجّه من قِبل السوق العقارية، من خلال تأكيد دور السكان كفاعلين في إنتاج المدينة وسكنها وتحويلها. وضمن هذا المنظور، لا يُنظر إلى المهجّرين والمجتمعات المهمشة بوصفهم متلقين سلبيين للخدمات، بل كفاعلين نشطين في صياغة مستقبلهم الحضري.
في سوريا، تبرز الحاجة بشكل ملح إلى هذا إعادة التأطير. فقد اتبعت السياسات الحضرية، قبل عام 2011 وبعده، منطقاً إقصائياً وغالباً أمنياً. قبل اندلاع النزاع، كان ما يقارب 40 في المئة من السكان في المدن يعيشون في عشوائيات، تم تجاهلها بشكل منهجي في استراتيجيات التخطيط الوطني، بحسب أرقام برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.
بعد اندلاع انتفاضة العام 2011، أُقرت آليات قانونية مثل المرسوم رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، مكّنت الدولة من إعادة تنظيم وتطوير المناطق الحضرية بقدر محدود من الشفافية ومن دون ضمان عودة السكان السابقين. في بساتين الرازي بدمشق، وبابا عمرو في حمص، والأحياء التاريخية في شرق حلب، روّجت مبادرات التجديد العمراني التي تقودها الدولة لأجندات إعادة تطوير أولويتها المصالح التجارية والأمنية، وغالباً مع إيلاء الحد الأدنى من الاهتمام لإعادة إدماج المجتمعات المهجّرة.
رغم أن إعادة الإعمار في كثير من هذه المناطق ما تزال جزئية أو متأخرة، فإن الأطر التخطيطية الكامنة تعكس مسبقاً أولويات إقصائية تقوّض عدالة السكن والإنصاف المكاني.
وما يغيب إلى حد كبير عن النقاشات الراهنة حول حقوق السكن والأرض والملكية هو التفسير العمراني والمعماري، الذي يتعامل مع الأرض ليس فقط بوصفها ملكية قانونية، بل كحيّز معيش مشبع بالذاكرة والتاريخ والبنى الاجتماعية. هذا الفهم الأوسع للأرض والفضاء باعتبارهما جزءاً من النسيج الاجتماعي يقود مباشرة إلى أسئلة تتعلق بالعدالة، وتحديداً كيف تعزز السياسات السكنية هذه العدالة أو تنكرها.
تشكل عدالة السكن عدسة نقدية مهمة لفحص سياسات وممارسات حقوق السكن والأرض والملكية. فهي تصوغ الوصول إلى المأوى ليس فقط كحق قانوني، بل كمسألة إنصاف مكاني واجتماعي. كما تعترف بالطبيعة السياسية لتأمين السكن وبما ينطوي عليه من ديناميات قوة بين الدولة والمواطن، المالك والمستأجر، المُخطط والساكن. ويرى باحثون مثل بيتر ماركوزه وديفيد مادين أن مواجهة تحويل السكن إلى سلعة يشكل مفتاحاً لتطوير الديمقراطية الحضرية. إن إدخال هذا المفهوم إلى جانب “الحق في المدينة” يتيح نقداً أعمق وأكثر شمولية لأطر التعافي في سوريا، ويمهّد الطريق لمزيد من الاستكشاف اللاحق.
القراءة العمرانية لحقوق السكن والأرض والملكية تحوّل التركيز من الحقوق الفردية في الملكية إلى المطالب الجماعية حول الأحياء والبنى التحتية والحق في صياغة المستقبل الحضري. لهذا التحول آثار عملية على سياسات التنظيم وإعادة تقسيم الأراضي وإعطاء الأولوية للخدمات العامة والفضاءات المشتركة في التخطيط. كما تعيد تأطير التعافي ليس كمهام تقنية لإعادة الإعمار، بل كعملية ترمي إلى استعادة التماسك الاجتماعي وفاعلية المجتمع والهوية الحضرية.
إعادة تأطير حقوق السكن والأرض والملكية من خلال “الحق في المدينة” يعني جعل العدالة الاجتماعية والمكانية والتاريخية في المركز. وهو ما يدفعنا إلى طرح أسئلة من قبيل: من يُدرج ضمن رؤية العودة؟ ومن تشكّل رواياته واحتياجاته عملية إعادة الإعمار؟ وأي أنماط من المستقبل الحضري يجري إنتاجها؟ إن إعادة بناء المساكن وحدها غير كافية؛ إذ إن إحياء الفضاءات العامة والمؤسسات المجتمعية ومواقع الذاكرة أمر أساسي. إذ أن البيئة المبنية تؤدي دور الوسيط في العلاقات الاجتماعية وتؤثر بشكل مباشر على استدامة العودة.
لدى المعماريين والمخططين الحضريين السوريين دور محوري عليهم الاضطلاع به. مساهمتهم يجب أن تتجاوز إعادة الإعمار التقنية لتشمل المشاركة في إنتاج رؤى عمرانية مشتركة مع المجتمعات المتأثرة. ويقتضي ذلك تفويض الصلاحيات التخطيطية إلى مستويات محلية، ودمج العشوائيات في الأطر الوطنية، وتصميم إعادة الإعمار على أسس تقوم على سهولة الوصول، واستمرارية الثقافة، والقدرة على الصمود الاجتماعي. كما يجب تمكين البلديات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والشبكات المجتمعية من المشاركة الفاعلة في التخطيط وصنع القرار.
تُظهر تجارب ما بعد النزاعات في أماكن أخرى قيمة هذا النهج. فقد استند تحول مدينة ميديلين في (كولومبيا) إلى الموازنة التشاركية والإدماج المكاني؛ ودمجت سراييفو (البوسنة والهرسك) خرائط الذاكرة في عملية تعافي السكن؛ بينما أتاح تطوير الأحياء بقيادة المجتمع في فريتاون (سيراليون) للمهجّرين أن يساهموا في تشكيل بيئاتهم. توضح هذه الأمثلة أن العمران التشاركي ليس طموحاً يوتوبياً، بل ضرورة عملية لتحقيق تعافٍ عادل ومستدام.
في سوريا، يتطلّب تكييف هذه النماذج حساسية خاصة إزاء الجغرافية السياسية المعقدة والديناميات الطائفية والتحولات المستمرة في السيطرة على الأراضي. ومع ذلك، فإن دمج التفكير العمراني والمعماري في أطر حقوق السكن والأرض والملكية يفتح مساراً نحو تعافٍ أكثر شمولية وارتكازاً محلياً. وهو يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، بما في ذلك مبادئ برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية للتعافي الحضري بعد النزاعات، ويجعل إعادة الإعمار متجذرة في التجارب المعيشة للمجتمعات المتضررة.
ليست هذه مجرد رؤى نظرية، بل تأملات صاغتها الممارسة والقرب من الواقع الحضري السوري. إذ أن مراقبة المشهد العمراني السوري، قبل عام 2011 وبعده، توضح أنه ليس مجرد موقع لإعادة الإعمار فحسب، بل أيضاً ساحة لذاكرة متنازع عليها، وللإقصاء، والصمود. إن “الحق في المدينة” ليس مبدأً مجرداً، بل هو متجذر في النضال اليومية من أجل الاعتراف والانتماء والكرامة. هذا المنظور يستند إلى قصص المجتمعات التي تعيش في العشوائيات، وتتنقل ضمن المناطق الرمادية قانونياً، وتعيد تشكيل أحيائها باستمرار رغم الإهمال البنيوي. إن فاعليتهم، ومسؤوليتنا نحن كمعماريين ومخططين حضريين، هي ما يجب أن يوجّه الطريق نحو المستقبل.
