عودة اللاجئين السريعة إلى معرة النعمان بريف إدلب وصدمة بحجم الدمار
مباشرة بعد سيطرة فصائل المعارضة على مدينة معرة النعمان في ريف إدلب في 1 ديسمبر 2024، توجه مئات المهجرين قسرياً عن المدينة، لتفقد ممتلكاتهم من منازل وأراضي وعقارات. ومع هذه العودة السريعة، بدأ الأهالي اكتشاف حجم الدمار والتخريب الذي طال منازلهم وممتلكاتهم.
وكانت قوات المعارضة المسلحة، المنضوية ضمن غرفة عمليات “ردع العدوان” بقيادة هيئة تحرير الشام، قد تقدمت خلال الأيام الماضية بشكل مفاجئ وسيطرت على مدينتي حلب وحماة، ومناطق واسعة من أريافهما وأرياف إدلب وحمص.
وتقع معرة النعمان جنوبي محافظة إدلب، وهي ثاني أكبر مدنها بعد مدينة إدلب. وكانت المعرة تعتبر مركزاً صناعياً لريف ادلب الجنوبي، وأغلب سكانها يمتهنون الحرف والتجارة، وليست معروفة بالنشاط الزراعي على غرار ريف إدلب. المعارضة سيطرت على المدينة في العام 2012، قبل أن تستولي عليها قوات النظام في العام 2020، ضمن حملة عسكرية على ريف إدلب الجنوبي. وتسبب ذلك بنزوح جميع الأهالي عن المعرة إلى مخيمات الشمال السوري في مناطق سيطرة المعارضة. ومنذ ذلك الوقت سيطرت مجموعة ميليشيات من قوات النظام على المدينة الخالية من سكانها، واعتبرتها منطقة عسكرية بسبب قربها من خطوط التماس مع المعارضة جنوبي إدلب. ومن الميليشيات التي سيطرت على المدينة، “الفرقة 25 مهام خاصة” الموالية لروسيا، وقوات من ميليشيات فاطميون وزينبيون التابعة للحرس الثوري الإيراني.
ومنعت تلك الميليشيات النازحين من العودة إلى المدينة، حتى لمن يقيم منهم في مناطق سيطرة النظام. وعلى غرار بقية المناطق في ريف إدلب الجنوبي، قامت ورشات متعاقدة مع قوات النظام، بتعفيش محتويات البيوت في معرة النعمان واستخراج كل ما يمكن إعادة تدويره من مواد، بما في ذلك سحب الحديد من السقوف.
ومنذ العام 2022، روّجت وسائل الإعلام الموالية للنظام للعودة إلى المدينة، ولطالما نشرت أخباراً وتغطيات، عن عودة الأهالي للاستقرار والسكن فيها، وسط احتفالات يحضرها مسؤولو الدولة وحزب البعث الحاكم. ولكن، ذلك لم يكن إلا جزءاً من البروباغاندا الإعلامية، إذ لم يعد أحد للسكن في المدينة بحسب تقارير سابقة لمراسل سيريا ريبورت. بعيداً عن كاميرات وسائل الإعلام الموالية، فالمدينة لم تكن قابلة للسكن، بسبب الدمار الكبير للمنازل والبنى التحتية، وتقاسم الميليشيات للسيطرة على الأحياء فيها وإغلاقها بحواجز إسمنتية بعضها مرسوم عليها العلم الإيراني. وعدا عن اعتبار تلك الميليشيات للمعرة مركز قيادة لكامل مناطق سيطرتها في ريف إدلب الجنوبي، فقد اتخذت عدداً كبيراً من منازل المدنيين مقار لها ومستودعات للسلاح، وحسينيات ودور عبادة.
مراسل سيريا ريبورت، الذي تمكن من زيارة المدينة بعد تحريرها، أشار إلى مدى التضليل الذي كانت تمارسه محافظة إدلب بترويجها إعادة الخدمات للمدينة، وعودة السكان لها. ونقل المراسل عن شهود عيان أن الأنقاض والركام تغلق الطرق ضمن الأحياء، وغالبية الطرق غير صالحة لعبور المركبات، باستثناء جزء من شارع المتحف، وبعض المحاور الرئيسية التي كانت تجري فيها الاحتفالات. ومع تعفيش الأملاك الخاصة، السلطات الرسمية في المدينة حرصت على تأهيل وترميم بعض المنشآت الحكومية، ومنها مدرسة باحثة البادية التي جرى تدشينها في 14 نوفمبر 2024، ومبنى المجمع التربوي ومبنى دائرة الخدمات التربوية المدشنّين في 30 أكتوبر 2024.
عبدالرزاق، من المُهجّرين قسرياً عن المعرة، والقاطن في مخيمات مشهد روحين شمالي إدلب، قال لمراسل سيريا ريبورت، أنه عاد إلى المدينة في اليوم التالي لتحريرها، الا أن صدمته كانت كبيرة بأن شقته في الحارة الغربية، والتي لم تتضرر أبداً خلال المعارك في المدينة، قد باتت غير صالحة للسكن. مساحة الشقة تبلغ حوالي 100 متر مربع، وقد هُدِمَ سقفها بالكامل، وسُحِبَ حديد التسليح منها.
عبدالرزاق كان قد بنى شقته، كطابق ثاني، فوق منزل والده. وسقف الشقة خرسانة مسلحة، من البيتون والحديد، التي تُعرفُ محلياً باسم “صبة البلاطة”، وهي من النوع الذي تفضله ورشات التعفيش. وتبلغ كمية الحديد المسحوبة من سقف الشقة حوالي الطن. الورشات، بحسب عبدالعزيز، اتبعت طرقاً متعددة لاستخراج الحديد من سقف شقته، بحسب ما تركته من آثار التخريب والتعفيش. ويبدو أو الورشات استخدمت معدات يدوية وكهربائية، كما أحرقت المنزل لرفع حرارة الحديد في السقف، ومن ثم ضخ الماء عليه لتبريده. رفع درجة حرارة الحديد وتبريده بسرعة، يساهم في تمديده ثم تقلصه، وبالتالي تفتيت الإسمنت حوله. مراسل سيريا ريبورت، وثق حدوث عمليات تعفيش مماثلة في منازل أخرى متعددة في المدينة. وهذه المنازل لا يمكن ترميمها وإعادة تأهيلها، بل يجب هدمها وإعادة البناء من البداية، بسبب المخاطر الإنشائية على الأعمدة الحاملة لها.
مراسل سيريا ريبورت في المعرة، وقدر حدوث أضرار نتيجة التعفيش على حوالي 40% من منازل المدينة، بناء على عينات مختلفة من الأحياء. أكثر الأضرار طالت المنازل القديمة، وتلك المكونة من طابق واحد، أو الطوابق الأخيرة من البنايات، وكذلك الأبنية المدمرة بفعل العمليات القتالية. ولاحظ المراسل آثار حرائق حديثة تعود إلى قبل أيام من انسحاب قوات النظام، بالإضافة إلى معدات تعفيش، وكميات من الحديد المسحوب الملقاة إلى جانب بعض الطرق.
أحمد الجربان، قال للمراسل، إن وضع المدينة سيء جداً، ولا يمكن وصفه، وأضاف أن مشاعر الفرح بالعودة الى المدينة اختلطت عليه مع حزنه لمشاهدة الخراب واسع النطاق، حجم الدمار الناتج عن تعفيش أملاك الناس.
المراسل أشار إلى أن عودة جميع النازحين لا تبدو يسيرة للغاية، فالمعرة ثاني أكبر مدن محافظة إدلب، وقد بلغ عدد سكانها في إحصاء العام 2004 حوالي 370 ألف نسمة، قسم منهم في تركيا وبلدان اللجوء، والبقية مهجرين موزعين على مخيمات الشمال السوري، خاصة في منطقة مشهد روحين شمالي إدلب بالقرب من الحدود مع تركيا. كثير من أولئك يصعب عليهم تحمل تكاليف ترميم منازلهم، أو إعادة إعمارها، ما لم يتلقوا مساعدات في هذا الشأن.
ومع ذلك، المراسل أشار إلى أنه رغم كل ذلك الخراب، والوقت القصير المنقضي بعد تحريرها، وعدم استقرار الأوضاع العسكرية في محيطها، فقد بدأ بعض الأهالي العائدين مباشرة بإصلاح ما أمكن من المنازل القابلة للسكن. المراسل شاهد شخصاً بدأ ترميم سقف منزله.
