تفجير مبنى في مدينة داريا لتصوير عمل فني
في ربيع 2023، جرى تفخيخ وتفجير مبنى في مدينة داريا بريف دمشق، أثناء تصوير مشاهد لعمل فني للمخرج نجدت إسماعيل أنزور. المبنى كان مكوناً من خمسة طوابق، ويعود بناؤه إلى العام 2010، وهو مرخص ضمن مخطط المدينة التنظيمي. المبنى يقع في منطقة الجمعيات الإنشائية وهي تجمع سكني منظم ومرخص، بالقرب من مسجد السمح بن مالك الخولاني.
المخرج أنزور، هو أيضاً عضو في البرلمان السوري عن محافظة حلب ما بين العامين 2016-2020. وقد ترأس المجلس بالوكالة لفترة خلال العام 2017. أنزور ساهم في تقديم سردية النظام السوري سينمائياً ودرامياً عبر مجموعة كبيرة من الأعمال التي أخرجها خلال فترة الحرب وما بعدها.
داريا شهدت حراكاً سلمياً معارضاً للنظام منذ مطلع العام 2011. وخرجت المدينة عن سيطرة النظام في العام 2012، وسيطرت عليها المعارضة المسلحة. وبسبب قربها من مطار المزة العسكري، تعرضت المدينة لحصار شديد من قبل قوات النظام، وحملات قصف مكثفة انتهت في العام 2016 بتهجير كامل سكانها قسرياً، وتدمير مناطق واسعة منها. بعد ذلك، سمحت الفرقة الرابعة المسيطرة على المدينة، بعودة جزئية مشروطة بموافقة أمنية مسبقة إليها.
ورغم أن المعارضة استولت على منطقة الجمعيات الإنشائية خلال فترة سيطرتها على داريا، لكن المنطقة ظلت سليمة إلى حدّ كبير. ويعود ذلك نسبياً لبعدها عن خطوط المواجهات، وأيضاً بسبب تصميمها العمراني الحديث، وتنفيذها بموجب متطلبات السلامة الانشائية وفق كود البناء العربي السوري. ورغم عدم تدمير المنطقة، إلا أن جميع المساكن فيها بحاجة إلى إعادة تأهيل وترميم، وإزالة للركام منها، بسبب الإهمال، والاشتباكات المحدودة وعمليات التعفيش التي أعقبت سيطرة قوات النظام على المدينة.
مراسل سيريا ريبورت، قال إن المبنى نفسه، تعرض لقذيفة هاون في وقت مبكر من الحملة العسكرية لقوات النظام، أثرت بشكل طفيف على واجهته. وعدا ذلك، لم يتعرض المبنى لأي أضرار خلال فترة الحرب، بحسب شهادات حصلت عليها سيريا ريبورت من مقاتلين سابقين كانوا متحصنين في المنطقة. ولكن، الملفت بحسب صور جوية مأخوذة عبر تطبيق خرائط غوغل، يمكن حالياً مشاهدة فجوة وسط المنطقة، هي ركام المبنى الذي فجره المخرج أنزور.
وبحسب المراسل، فإن المسؤولين عن إدارة الإنتاج والعلاقات العامة في الفيلم، تقدموا لمحافظة ريف دمشق، بصور مأخوذة من منطقة الجمعيات الإنشائية، تظهر وجود دمار فيها، وذلك للحصول على ترخيص باستخدام المنطقة كلوكيشن خلال تصوير الفيلم. وخلال التصوير، جرى تفجير المبنى، ذي الطوابق الخمسة، وتحويله إلى ركام. مراسل سيريا ريبورت لم يتمكن من معرفة إذا كان التفجير قد تم بترخيص من المحافظة، ومن الجهة العسكرية التي قامت به.
محمود، مُهجر يقيم حالياً في ريف إدلب، كان يملك شقة في المبنى، اشتراها نهاية العام 2010 بمبلغ قريب من المليون ليرة (حوالي 20 ألف دولار حينها) ولديه عقد بيع موثق لدى الكاتب بالعدل. محمود، لم يتمكن من نقل ملكية الشقة لاسمه في السجل العقاري، بسبب اندلاع ثورة العام 2011، وخروج داريا بعدها عن سيطرة النظام، وما رافق ذلك من تعطّل عمل المؤسسات الرسمية.
محمود، عرض شقته للبيع في العام 2020، لكن الأسعار التي عرضت عليه لم تكن مشجعة. لذا، فضّل محمود، التريث، ربما على أمل ترميم الشقة وبيعها بسعر مناسب. لكن تدمير المبنى برمته في العام 2023، الذي سمع عنه محمود من أقاربه المقيمين في داريا، جعل آماله تتلاشى.
المخرج أنزور، سبق وصوّر مشاهد من مسلسله “تحت سماء الوطن”، في مناطق قريبة من خطوط التماس في داريا في ربيع العام 2013 أثناء سيطرة المعارضة عليها. في العام 2019 صوّر أيضاً بعض مشاهد فيلمه القصير “جوري” في أحياء داريا المدمرة والمهجرة.
خلال تصوير مسلسل “أقمار في ليل حالك” للمخرج نفسه، في العام 2021، اختار طاقم المسلسل مواقع في مدن كفرزيتا واللطامنة شمالي حماة، ومدينة خان شيخون جنوبي إدلب، كواقع تصوير. وقد تمت الاستعانة بقوات من الفرقة 25 مهام خاصة التي يقودها العميد سهيل الحسن الملقب بالنمر، خلال تصوير المسلسل، واستخدمت ذخيرة حية في قصف منازل خالية منذ العام 2019 لمهجرين قسرياً عن المنطقة.
لكن، فعلياً، أول مرة لجأ فيها أنزور إلى تفجير مبنى سليم مكون من عدة طوابق، لتصوير مشاهد مراسل سيريا ريبورت، كانت في ربيع العام 2023 خلال تفجير هذا المبنى في منطقة الجمعيات الإنشائية في داريا.
لم يتمكن مراسل سيريا ريبورت من معرفة اسم الفيلم أو المسلسل الذي احتوى على مشاهد تفجير المبنى. ولكن، آخر أعمال أنزور كان فيلم “الصليب المكسور” الذي عرض في صالات السينما في آب 2023، وهو وثائقي يحكي قصة تهجير مسيحيي إدلب من قبل الحزب الإسلامي التركستاني.
وبحسب الشهادات التي حصلت عليها سيريا ريبورت، لم يحصل أي من أصحاب الشقق في المبنى، ولا صاحب المبنى الأصلي، على أي تعويض مقابل تفجيره. صاحب المبنى المُفجّر، تمكن من استخراج جزء من الحديد من تحت الأنقاض، وباعه لأحد تجار مواد البناء المحليين. في نهاية العام 2023، وزّع صاحب المبنى على بعض أصحاب الشقق، مبالغ رمزية وصلت في بعض الحالات إلى مليون ونصف ليرة. (حوالي 115 دولار).
