متى يعود نازحو الأقليات إلى ريف دمشق؟
اضطر البعض للنزوح من مناطق سكنهم في ريف دمشق، أثناء سيطرة المعارضة المسلحة عليها ما بين العامين 2012-2018، لمخاوف تتعلق بانتماءاتهم الطائفية أو انحيازهم السياسي. جزء من هؤلاء، لم يعودوا إلى بيوتهم، رغم استعادة قوات النظام السيطرة على مناطقهم، لأسباب متعددة، منها غياب الخدمات، أو تعرض منازلهم لأضرار وعدم قدرتهم على ترميمها، أو أيضاً بسبب فقدانهم الإحساس بالأمان.
مثلاً، منى وعدنان، زوجان من الطائفة الإسماعيلية اضطرا لترك منزلهما في دوما بريف دمشق، على خلفية أحداث العام 2011، ولم يعودا إليه حتى اليوم. منى وعدنان، كانا قد تمكنا، خلال عملهما في مؤسسات القطاع العام قبل حوالي عقدين، من شراء بيت صغير في بناء مرخص، ومنطقة منظمة في دوما. في ذلك البيت، أنجب الزوجان أولادهما، وصنعا ذكرياتهما. خلال عشرة سنوات من سكنهما فيها أصبح لمنى وعدنان علاقات وطيدة مع المكان، الجيران وأهل الحارة، مدارس أطفالهما ومعلميهم.
ولكن، بعد ثورة العام 2011، بدأ الأصدقاء والمعارف، يبدون قلقاً على عائلة منى وعدنان، في حال تدهورت الأوضاع. أحد جيرانهم أبلغهم، بكثير من الود واللطف، أن المنطقة مقبلة على فوضى، والناس خائفون، وقد يكون هناك خطر عليهما أكثر من غيرهما، بوصفهما في نهاية المطاف غرباء عن المدينة، وليسوا مسلمين سنّة. الأمر ذاته تكرر، في كلام أصحاب المحال التجارية، وبائع الخضار، ممن أجمعوا على ضرورة خروجهم من دوما بأسرع وقت. العائلة لم تقتنع كثيراً بذلك الكلام، عدا أنه لم ليس لديها فعلياً من مكان آخر تلجأ إليه. لكن تصاعد العنف الوحشي من قبل قوات النظام ضد الاحتجاجات، دفع بعض فصائل المعارضة المسلحة إلى استهداف العسكريين والأمنيين والضباط المقيمين في المدينة، وأغلبهم من المحافظات الأخرى. بعد ذلك، أصبح جميع السكان غير الأصليين في المدينة مشتبه بهم. في العام 2012، رمى مراهق حجراً كسر زجاج نافذة بيت العائلة، وصرخ عليهم بأن “اخرجوا من هنا”.
حينها، أدركت العائلة أن اقامتها قد شارفت على النهاية في دوما، وغادرتها على وجه السرعة للسكن في منزل مستأجر في ضاحية الأسد المجاورة، على أمل الرجوع بعد أن تهدأ الأوضاع. لكن العائلة ما زالت إلى اليوم تقيم في الضاحية. مؤخراً، منى وعدنان، زارا دوما، وتفقدا المنزل، الذي لم يتغيّر كثيراً رغم سنين الحرب. لكن المكان برمته قلب رأساً على عقب، وبالكاد يمكن التعرف عليه. بعض الجيران قُتلوا في الأحداث، ومنهم من نزح إلى مناطق المعارضة في الشمال. المنطقة منكوبة وتفتقد للخدمات. كما أن أولاد منى وعدنان، كبروا في الضاحية، حيث بات لهم رفاقهم ومدارسهم وعوالمهم. لذا، تبدو العودة إلى دوما اليوم، غير مستحبة لدى العائلة. الزوجان قررا القيام ببعض الإصلاحات في المنزل وتأجيره مبدئياً، بانتظار الحصول على سعر مناسب لبيعه.
في حادثة أخرى، عائلة علوية انتقلت للسكن في بلدة بريف دمشق في العام 1970، مع تعيين الأب شرطياً في البلدة. وظلت العائلة في البلدة بعدما تقاعد الأب من عمله واشترى سيارة وعمل سائقاً على خط بيروت-دمشق. العائلة اشترت أرضاً، أسست فيها مزرعة، وبنّت فيها منزلاً كبيراً.
جميع الأبناء تعلموا في مدارس البلدة، وأبدوا منذ طفولتهم، بدعم كبير من والدهم البعثي، حماسة كبيرة للحزب الحاكم، وانخرطوا في صفوف اتحاد الشبيبة والطلبة، قبل أن يجدوا وظائف لهم في مؤسسات الدولة. كثير من أهالي البلدة، كانوا يرون العائلة كممثلة للسلطة في المنطقة، وغالباً ما قصدوا الشرطي المتقاعد، للتوسط لهم مع الدوائر الحكومة والرسمية، في كثير من القضايا الخدمية والأمنية. هذه الميزة، سرعان ما تحولت إلى مشكلة للعائلة، بعد اندلاع ثورة العام 2011. إذ باتت هذه العائلة، وغيرها من العائلات العلوية القاطنة في البلدة، من وجهة نظر الأهالي، موالية للنظام ومستفيدة منه، ويجب عليها أن تغادر البلدة.
أفراد العائلة أحسوا سريعاً بانقلاب المزاج العام ضدهم، وكما سقط المزيد من القتلى من أهل البلدة على يد قوات النظام، كلما اختفى الاحترام السابق وبرزت العدائية في التعامل معهم. ريهام ابنة الشرطي المتقاعد، العاملة في البلدية، أصيبت بالهلع بعدما قتل أحد زملائها المتهم بالتواطؤ مع قوات الأمن. إحدى نساء البلدة وجهت قولها لريهام: “وجود العلويين مصيبة لنا”.
وبعدما بدأ الوجود المسلح للمعارضة بالظهور علناً في البلدة، قررت العائلة أن تنقسم؛ يبقى الرجال في المزرعة، بينما تغادر النساء لعند أقارب لهم في دمشق. الرجال استلموا سلاحاً من قوات النظام، وتحصنوا في المزرعة. واعتبرت الفصائل ذلك أمراً عدائياً، فحاصرتهم فيها، واندلعت اشتباكات مسلحة، قبل أن يتمكن رجال العائلة من الانسحاب، ومغادرة البلدة. المعارضة استولت على المزرعة، واتخذتها كأحد مقراتها. في العام 2018، انسحبت المعارضة من ريف دمشق، ولكن عائلة الشرطي المتقاعد، لم تقرر بعد العودة إليها. إذ تعتبر العائلة أن دماء كثيرة قد سالت خلال الحرب، وليس من الحكمة العودة، بعدما تلاشت الألفة مع المكان. العائلة تفكر جدياً ببيع المزرعة، لكنها تفكر التريث قليلاً للحصول على سعر أفضل من المعروض حالياً.



