جبلة بعد سنة من الزلزال: مساعدات شحيحة، ولا مساكن بديلة
رغم كثرة الإعلانات الرسمية عن الاقتراب من إنجاز مساكن دائمة أو مؤقتة مسبقة الصنع، وبعض الإشاعات المتفرقة عن البدء بتسليم بعض تلك المساكن، يبدو أن كثيراً من المتضررين من زلزال 6 شباط 2023 في جبلة في ريف محافظة اللاذقية، غير متفائلين بالحصول على بديل لمساكنهم المتضررة، ولا حتى بأي نوع من أنواع التعويض المالي عنها.
وكان زلزال 6 شباط 2023، قد تسبب بانهيار أكثر من 100 مبنى في محافظة اللاذقية الساحلية، بعضها في مدينة جبلة خاصة في أحياء الفيض والرميلة والغزالات، وفي ريف جبلة خاصة في قرية اسطامو. رئيس مجلس مدينة جبلة، سبق وقال لموقع أثر برس الموالي، في 9 آذار 2023، أن 19 كتلة بناء انهارت جراء الزلزال في جبلة، وأن لجان السلامة وجدت 10 أبنية متضررة بشدة وبحاجة للإزالة. وقد تم هدم تلك الأبنية لاحقاً من قبل ورشات مجلس المدينة.
في نيسان 2023، أكد رئيس وفد الهلال الأحمر الإماراتي، أن الإمارات ستبني 1000 وحدة سكنية مسبقة الصنع لمتضرري الزلزال في محافظة اللاذقية، ضمن سبعة مواقع ثلاثة منها في مدينة جبلة في أحياء النقعة والفوار والفيض. بينما أكد محافظ اللاذقية في منتصف أيار 2023، أن التحضّير جارٍ لإقامة برجين في مدينة جبلة ضمن مشاريع الإسكان الحكومية للمستحقين من متضرري الزلزال، يضم الواحد منها 10 طوابق. وبحسب الإعلام الرسمي، هناك برجان قيد الإنشاء في جبلة في حيي النقعة والغزة، يحتويان على 80 شقة بمساحة 100 متر مربع للواحدة منها.
مهندس في بلدية جبلة، وأحد أعضاء لجان السلامة العامة، قال لمراسل سيريا ريبورت، أن السكن البديل قيد الإنجاز، لكن المشروع يعاني من بطئ شديد، بسبب “الفساد”. يرفض المهندس التوضيح، لكنه يشير إلى أن تلك الأبنية، المؤقتة أو الدائمة، كان يجب أن تسلم للمتضررين من الزلزال منذ وقت طويل. ويضيف أن نسبة الإنجاز لا تزيد عن 25% في بعض المواقع.
وبعيداً عن تلك المساكن البديلة، أشار مراسل سيريا ريبورت في المنطقة، إلى أن كثيراً من متضرري جبلة، لم يسمعوا، ولم يحصلوا، حتى على أي نوع من التعويضات المالية، لا وفق المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2023 الذي منح المتضررين من الزلزال إعفاءات ضريبية، ولا عبر الصندوق الوطني لدعم المتضررين من الزلزال المحدث بموجب المرسوم التشريعي رقم 7 لعام 2023 بغرض تقديم الدعم المالي للمتضررين ومساعدتهم على تجاوز الضرر الجسدي أو المادي أو المعنوي اللاحق بهم. الصندوق يفترض أن يقدم الدعم لثلاثة شرائح؛ الأولى هي أصحاب العقارات المنهارة المرخصة، والثانية هي أصحاب العقارات المنهارة غير المرخصة، والثالثة هي لأصحاب العقارات المتضررة التي تقرر هدمها بعد الزلزال بموجب تقارير لجان السلامة العامة.
علي، رجل خمسيني تصدع البناء الذي يسكنه بشدة، ولكنه رفض مغادرته. علي يقيم في بناء وجدت لجنة السلامة العامة التي كشفت عليه في العام 2023، أنه آيل للسقوط، وكانت على وشك اخلاءه من السكان، وتشميعه بالشمع الأحمر، وإصدار تقرير بضرورة هدمه. لكن، علي، الذي ليس لديه مكان آخر يذهب إليه، سارع إلى رشوة أحد أعضاء اللجنة، بـ3 ملايين ليرة، لعدم هدم البناء. عضو اللجنة نصح علي حينها، بأن يقوم بالترميم على حسابه الخاص، وأن يتقدم بعد ذلك بالوثائق التي تثبت عملية الترميم إلى بلدية جبلة، مرفقة بتوقيع مهندسين من نقابة المهندسين في اللاذقية، للحصول على التعويض. علي بالفعل، رمم المنزل، وراجع بعدها بلدية جبلة ومحافظة اللاذقية للحصول على تعويض مالي مقابل تكاليف الترميم، مرات ومرات، من دون جدوى.
الملفت أن جاراً لعلي، تلقى قبل فترة قصيرة رسالة من دائرة العلاقات المسكونية والتنمية في بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ليستلم مساعدة بقيمة 3 ملايين ليرة، لمرة واحدة. ويحصل على هذه المساعدة المتضررون اللذين تركوا منازلهم المتصدعة، أو لترميم أضرار بسيطة. وعند مراجعة علي لدائرة العلاقات المسكونية، قالوا له أن جميع المتضررين المسجلين اسمائهم في البلدية سيحصلون على هذه المساعدة، بحسب جداول أبجدية بالأسماء نظمتها محافظة اللاذقية. علي، وكثيرون غيره ممن التقاهم مراسل سيريا ريبورت، لا يعرفون ما العلاقة بين محافظة اللاذقية ودائرة العلاقات المسكونية في تقديم هذه المساعدات المالية لمتضرري الزلزال.
من جانب آخر، يواصل الإعلام الرسمي الحديث عن دعم مالي حكومي للمتضررين، عبر برنامج “كاش”، المخصص لتقديم بدلات إيجار لأصحاب العقارات المنهارة، بقيمة 3,150 مليون ليرة، ولمرة واحدة. وبحسب التصريحات الرسمية، فإن الميزانية المخصصة لهذه المساعدات هي 68 مليار ليرة. وليس واضحاً ما هو مصدر هذه الأموال، ولكن بحسب الإعلام الرسمي، فإنها تقديمات من منظمات دولية وأهلية من دون تسمية أي منها، وهي مخصصة كبدل ايجار للمتضررين الذين اختاروا عدم الانتقال إلى مراكز الإيواء المؤقتة.
ولكن حتى هذه المساعدات الغامضة، ليست في متناول الجميع. مثلاً، رغم مراجعتها مراراً لبلدية جبلة، لم تتمكن مها، وهي أرملة تعيش في ريف جبلة، من الحصول على أي معلومة من الموظفين تساعدها بالحصول على أي تعويض مالي يساعدها على ترميم منزلها الذي تعرض لأضرار متوسطة خلال الزلزال، وقررت لجنة السلامة العامة التي كشفت عنه أنه بحاجة لترميم. مها تعاني من ضائقة مالية خانقة، ومسؤوليات عن عائلة كبيرة، ولا تتلقى سوى راتب تقاعدي. تشير مها إلى أن بعض جيرانها حصلوا على بدل إيجار مالي، في الشتاء الماضي، رغم عدم انهيار أي من منازلهم، من دائرة العلاقات المسكونية. وعند مراجعة مها لدائرة العلاقات المسكونية، قالوا لها أنه يتوجب عليها مراجعة محافظة اللاذقية، لإضافة اسمها إلى لوائح المتضررين من الزلزال.
أم سلام امرأة مسنة، توفي عدد من أفراد عائلتها في انهيار منزلهم في مدينة جبلة، ولم تتلق لحد اليوم أي تعويض. أم سلام لجأت إلى المنظمات غير الحكومية، وكل ما تلقته منها كان بعض المساعدات العينية والمالية البسيطة. أحد المغتربين تبرع لها بقيمة إيجار منزل لمدة 6 شهور. أم سلام، تقول لمراسل سيريا ريبورت، أنها قدمت كل الوثائق اللازمة للجهات الرسمية والمنظمات غير الحكومية بعد الزلزال. تقول أم سلام، أنها تواصل تذكير موظفي بلدية جبلة، بوضعها، للتأكد أن اسمها ضمن لوائح المتضررين. لحد اليوم، لا تعرف أم سلام إن كانت ستحصل على سكن بديل، مؤقت أو دائم، ولا أين موقعه.
