شائعات وراء شراء بالغصب لأراضي زراعية في خربة الشياب بريف دمشق
يضغط تجار دمشقيون على أصحاب عقارات غربي طريق دمشق-السويداء القديم لإجبارهم على بيعها بأقل من الأسعار الرائجة في المنطقة. وليس واضحاً سبب التركيز على تلك العقارات، وسط شائعات عن احتمال إعادة العمل بمشروع أوتوستراد السلام المار من المنطقة، أو البدء بتنفيذ مشروع منطقة صناعية جديدة.
وتتبع تلك العقارات إلى قرية خربة الشيّاب التابعة بدورها لناحية الكسوة في ريف دمشق. وتقع قرية خربة الشيّاب على الحدود الإدارية بين محافظتي دمشق والسويداء، وتحاذي قرية خلخلة ومطارها العسكري في ريف السويداء الشمالي. والمنطقة بالعموم قريبة على مدينة السيدة زينب، وفيها مواقع عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني وميليشياته السورية. ورغم صغر قرية خربة الشياب، إلا أن جزءاً من أراضيها مستملك منذ الستينيات لصالح وزارة الدفاع، وتتخذ ألوية دفاع جوي مثل “اللواء-157″ و”اللواء-155” مقرات لها في محيط القرية. كما أن في القرية استملاكات لصالح مديرية الآثار والمتاحف في وزارة الثقافة، لوجود مواقع أثرية رومانية وعثمانية فيها.
ويبدو أن تجار عقارات دمشقيون، يبحثون منذ أشهر عن أراضي زراعية في المنطقة، ويشترون منها ما كان سجله العقاري خالياً من الإشارات المانعة للتصرف. وقد تسبب ذلك بتحرّيك سوق العقارات في خربة الشياب، وأيضاً في القرى والبلدات المجاورة، مثل المطلة ونجها والعادلية، ورفع أسعارها.
وليس واضحاً سبب الإقبال على شراء الأراضي في تلك المنطقة. ولكن، يحدث أن يبادر بعض التجار النافذين ورجال الأعمال، إلى شراء مساحات كبيرة من الأراضي أو العقارات في مناطق محددة، غالباً بسبب معرفتهم المسبقة عن وجود مخططات لتنفيذ مشاريع استثمارية أو خدمية، قد ترتفع معها أسعار العقارات في المنطقة. وبالتالي، يمكن لأولئك التجار إحراز أرباح بشراء العقارات بأسعار منخفضة، ثم بيعها بعد تنفيذ المشاريع المقررة، بأسعار أعلى بكثير.
على سبيل المثال، محمد، يملك 10 هكتارات في خربة الشياب على الشيوع مع شريكين له، ولديهم سند ملكية بها بها منذ ما قبل العام 2011. الأرض مصنفة بعلية سليخ، ويمتد أحد أضلاعها على مسافة 50 متراً على طريق دمشق-السويداء القديم، ويحدها غرباً مشروع أوتوستراد السلام. يقول محمد لسيريا ريبورت، إن تجار عقارات دمشقيين، بعضهم لديه صلات وثيقة مع أجهزة أمنية وعسكرية، يضغطون على أصحاب الأراضي والعقارات في المنطقة لدفعهم إلى بيعها بأقل من الأسعار الرائجة. ويوضح محمد، أن تاجراً منهم عرض عليهم مبلغ 20 مليون ليرة للدونم (نحو 1350 دولاراً) بينما السعر الرائج في المنطقة أعلى من ذلك بكثير (120 مليوناً). وعندما رفض الشركاء بيع الأرض، نصب عناصر من “اللواء-157” دفاع جوي خيمة في أرضهم. الضابط المسؤول عن الخيمة قال لمحمد، أن نقطة عسكرية ومنظومة دفاع جوي، ستقام لاحقاً في أرضهم، بغرض ما وصفه “التصدي للهجمات الإسرائيلية”.
وبحسب محمد، فإن نصب الخيمة والتهديد بإنشاء نقطة عسكرية في أرضهم، جاء بالتنسيق بين تاجر العقارات ومسؤولين في اللواء 157. وكل ذلك، بغرض الضغط على الشركاء لبيع الأرض للتاجر بسعر منخفض. ولكن محمد، استطاع بحكم معرفته بضابط في شعبة الاستخبارات العسكرية المسؤولة عن المنطقة، أن يضغط على مسؤولي اللواء 157 ويزيل خيمة الجنود.
في كل الأحوال، يسمى ذلك قانوناً غصباً للعقار، ويعني الاستيلاء على ملك الغير دون رضاه، أو وضع اليد على ملك الغير دون توفر سند قانوني بالملكية أو وجود سبب مشروع.
أمر مماثل حدث مع سعيد، الذي تحدث مع مراسل سيريا ريبورت، وأخبره أنه اضطر لبيع جزء من أرضه لتاجر دمشقي، بسعر أقل بكثير من السعر الرائج للتخلص من قوة عسكرية استولت على أرضه بذريعة نصب منظومة دفاع جوي فيها. يضيف سعيد أنه بعد إتمام عملية البيع انسحبت القوة العسكرية ولم تترك أثراً خلفها.
الملفت أن هذه الأراضي التي نتحدث عنها في خربة الشياب، سبق وأن كانت مقترحة ليمر فيها مشروع أوتوستراد السلام، وهو طريق دولية تجارية، تربط لبنان وسوريا والأردن. ويفترض أن يخترق أوتوستراد السلام الحدود السورية اللبنانية من نقطة المصنع-جديدة يابوس، ويمر بعدها ببلدات أبو قاووق ومزرعة النفور والحسينية في القنيطرة، ومدن وبلدات زاكية ومعضمية الشام وخان الشيح وقطنا وخربة الشياب في ريف دمشق، و غباغب منكت الحطب في ريف درعا وصولاً إلى معبر نصيب-جابر على الحدود السورية-الأردنية.
وبدأ الحديث عن مشروع أوتوستراد السلام في العام 2006، بالتزامن مع حركة شراء للعقارات على مساره المفترض، قام بها سماسرة عقارات لصالح شركة صندوق استثمار المشرق التي يملكها رجل الأعمال رامي مخلوف. واستطاعت الشركة شراء مئات الهكتارات على امتداد الطريق المفترض. ومعظم تلك الأراضي صخرية غير صالحة للزراعة. بعض تلك الأراضي مستولى عليها من الفرقة السابعة من جيش النظام، وتمنع أصحابها من استخدامها، من دون استملاكها بشكل رسمي. ترافقت حينها عملية الشراء بارتفاع أسعار الأراضي على مسار الطريق المفترض، ووصل سعر الدونم الواحد في بعض الأحيان إلى 2,5 مليون ليرة (50 ألف دولار حينها) بعد أن كان قبل العام 2006 لا يتجاوز 20 ألف ليرة (400 دولار).
الأمر لم يخلُ من تعقيدات. إذ أن معظم العقارات التي اشتراها صندوق المشرق هي حصص غير مفرزة من أراضي مملوكة على الشيوع، ما يعني أن الصندوق أصبح شريكاً إضافياً على الشيوع. ولذا، فقد رفع محامو الصندوق في آذار 2019، دعوى على بقية الشركاء أصحاب الحصص في الأراضي في أكثر من موقع لإزالة الشيوع عنها. على سبيل المثال، عُقِدَ اجتماع بين القاضي العقاري والشركاء على الشيوع في مدينة زاكية، للاتفاق على ازالة الشيوع. وقدّم سماسرة خلال الاجتماع عرضاً لبقية المُلّاك على الشيوع في تلك الأراضي لبيع حصصهم للشركة، مقابل 3 آلاف دولار للدونم الواحد. لكن غالبية الشركاء رفضوا العرض. وكذلك رفضوا الموافقة على خطة افرازية تنقل حصصهم من الأراضي إلى الجهة البعيدة عن مسار الأوتوستراد المفترض.
ورغم عودة الحديث عن إحياء مشروع أوتوستراد السلام، إلا أنه على الأرض لم يحدث أي تغيير سوى في خربة الشياب. لذا، يبدو مهماً الإشارة إلى وجود مخطط لمشروع آخر في المنطقة، قد يكون هو الدافع وراء اندفاع تجار دمشقيين لشراء تلك الأراضي. مصدر أهلي من الخربة رجّح أثناء حديثه لمراسل سيريا ريبورت، أن يكون دافع شراء الأراضي هو مخطط مقترح لإنشاء منطقة صناعية “صديقة للبيئة”، سبق وأعلن عنها مدير دعم القرار والتخطيط الإقليمي في محافظة ريف دمشق عبد الرزاق ضميرية في ديسمبر 2018، وكذلك مدير المناطق الصناعية في مدينة دمشق أسعد خلوف في شباط 2019.
ويمتد مشروع المنطقة الصناعية المقترحة على مساحة 250 هكتاراً بالقرب من خربة الشياب، ويفترض أن تضم صناعات “صديقة للبيئة” مثل الصناعات النسيجية والأدوية، والحرف اليدوية الخشبية والتقليدية التراثية وغيرها. ضميرية كان قد قال لوكالة الأنباء الرسمية سانا، أن المحافظة أبرمت عقداً مع جامعة تشرين لإعداد الدراسات التنظيمية والتفصيلية والتخطيطية للمنطقة الصناعية الجديدة، تتضمن مخطط استعمالات الأراضي والمخطط الطبوغرافي والتفصيلي والتقسيمي. ضميرية قال بأن ملكية العقارات المقترحة للمنطقة الصناعية بمعظمها تعود للدولة، بينما 30 -40 هكتاراً هي أملاك خاصة.
وقال ضميرية حينها أنه لن يجري استملاك بقية الأراضي، بل سيتم العمل فيها بموجب قانون التشاركية مع القطاع الخاص. وبحسب القانون رقم 5 لعام 2016 الخاص بالتشاركية بين القطاعين العام والخاص، فالتشاركية هي علاقة تعاقدية لمدة زمنية ومتفق عليها بين جهة عامة وشريك من القطاع الخاص، يقوم بموجبها الشريك الخاص بالاستثمار في أحد الأعمال التالية؛ تصميم أو إنشاء أو بناء أو تنفيذ أو صيانة أو إعادة تأهيل أو تطوير أو إدارة أو تشغيل مرفق عام أو مشروع لدى الجهة العامة، وذلك بهدف المساهمة في تقديم خدمة عامة أو أي خدمة تتوخى المصلحة العامة مباشرة إلى الجهة العامة المتعاقدة أو نيابة عنها إلى المستفيد النهائي. ورغم أن ضميرية قال بأن البدء بالعمل في إنشاء المنطقة الصناعية سيكون خلال العام 2019، والانتهاء من إفراز المقاسم سيكون في العام 2020، إلا أن شيئاً لم يحدث على الأرض منذ ذلك الوقت.
