رغم عودة مسيحيي عربين، هلا تُفضّلُ البقاء في دمشق
هلا، مسيحية، كانت تسكن وعائلتها، قبل العام 2011، في مدينة عربين في الغوطة الشرقية. هلا كانت تملك شقة في بناء طابقي مرخص في منطقة منظمة. ورغم أن معظم أفراد عائلتها كانوا يعملون في تجارة الخشب والأثاث المنزلي التي كانت تشتهر بها عربين، إلا أنها وجدت لنفسها فرصة عمل، تصفها بأنها “أكثر استقراراً” كموظفة في إحدى مؤسسات القطاع العام.
هلا، كما بقية النساء المسيحيات في عربين، كانت تراعي المزاج الاجتماعي المحافظ في منطقة ذات غالبية سنيّة، خاصة لجهة كود الملابس وأوقات التنقل. وكان عدد مسيحيي عربين يقارب 2000 نسمة قبل العام 2011، وأغلبهم من الروم الأرثوذكس. وهم متجذرون في المدينة، ويقطنون حارات مريم والواز، وشارع الصاغة وحارة طريق حرستا-عربين، ويمارسون طقوسهم الدينية بحريّة في كنيسة القديس جاورجيوس التي يعود تأسيسها إلى العام 1873. واشتهر المسيحيون بصياغة الذهب وتجارته، كما أنشأوا شركات تجارية كبيرة كـ”شركة راجحة لتجارة الأخشاب”، وشركات بيع قطع السيارات وغيرها.
مع بداية الثورة في العام 2011، اتخذ مسيحيو عربين موقفاً حيادياً أقرب إلى الموالاة تجاه النظام. إلا أن تعيين العماد داوود راجحة، المسيحي من عربين، وزيراً للدفاع في آب 2011، ودوره المؤثر على أقاربه، جعل موقف الغالبية السنية سلبياً تجاه مسيحيي المدينة. وتلقى بعض المسيحيين تهديدات من مسلحي المدينة، للنزوح عنها إن لم يُظهروا معارضتهم للنظام. وبالفعل، مع نهاية العام 2011 بدأت بعض العائلات المسيحية النزوح عن عربين، ومنهم عائلة هلا، خوفاً من تدهور الأمور، وتجاوباً مع توصيات شخصية من وزير الدفاع.
في تموز 2012، سيطرت فصائل المعارضة المسلحة على أكبر حواجز قوات النظام في مدينة عربين، بعد أيام من مقتل الوزير راجحة في تفجير خلية الأزمة في مبنى الأمن القومي بدمشق. بعدها، أطبقت قوات النظام الحصار على المدينة، وقصفتها بقذائف الهاون وراجمات الصواريخ والطيران المروحي. قوات النظام سمحت لمن تبقى من مسيحيّ المدينة بمغادرتها.
المؤسسات الإعلامية الرسمية ألقت الضوء على قضية مسيحيي عربين أكثر من مرة، في محاولة لتحويل نزوحهم إلى قضية رأي عام، تصب في سردية النظام حول تحالف الأقليات. هلا، تقول أن مسيحيي عربين النازحين إلى دمشق تلقوا اهتماماً ومساعدات رسمية أكثر من مرة، إذ تمكنت عائلتها من إعادة تأسيس أعمالها بعدما حصلت على قرض من أحد المصارف الرسمية. العائلة تمكنت من استئجار مسكن في حي القصاع بدمشق، ذي الغالبية المسيحية، وبسبب وضعهم المالي الجيد فلم يكونوا بحاجة لمساعدات. في حين تلقى الكثير من نازحي عربين المسيحيين إلى دمشق مساعدات عينية وغذائية من الهلال الأحمر. في كل الأحوال، تراجعت كثيراً وتيرة تلك المساعدات خلال السنوات الأخيرة.
مع نهاية الحرب في الغوطة الشرقية في العام 2018، واستعادة قوات النظام السيطرة عليها بعد التهجير القسري للمعارضة منها، بدأت بعض العائلات المسيحية بالعودة إلى عربين. تقول هلا، إن أول العائدين إلى المدينة هم المسيحيون الأكثر فقراً، ممن أرهقتهم إيجارات السكن، وحياة النزوح. ولكن، سرعان ما ظهر اتجاه واضح من رجال الأعمال المسيحيين، بدعم النازحين المسيحيين للعودة إلى المدينة، وتنظيم حملات لإزالة الأنقاض والردميات من الشوارع.
ورغم تعرضها لدمار كبير، قامت روسيا بترميم كنيسة القديس جاورجيوس والمدرسة التابعة لها، التي تمت إعادة افتتاحها رسمياً في يناير 2023، وسط تغطية إعلامية رسمية حافلة. كما تواصل روسيا تقديم المساعدات الغذائية لجميع أهالي عربين، إسلاماً ومسيحيين، بحسب هلا. كما قدمت روسيا مساعدات مالية لترميم المنازل المتضررة جزئياً. وتوجب على الراغبين بتلقي المساعدة تقديم طلب ترميم في بلدية عربين، التي أوفدت لجاناً هندسية للكشف على الأضرار. ويبدو أن من تلقوا التعويض هم أصحاب المساكن المتضررة بنسبة أقل من 10%. أما المساكن التي زادت نسبة الضرر فيها عن ذلك، فلم يتلقى أصحابها أي تعويض، وهذا هو حال هلا التي تعرضت شقتها لضرر بنسبة أكبر بكثير.
تقول هلا، إنه حتى لو تمت إعادة تأهيل وترميم منزلها في عربين، فهي ستقوم ببيعه. إذ بالإضافة إلى حجم الدمار الكبير في المدينة، وعدم استعادة الخدمات الرئيسية فيها، وتقطع النقل بينها وبين العاصمة، تفضّل هلا العيش في دمشق بعدما وجدت فيها إمكانية أفضل للعيش ودوائر معارف وأصدقاء أكثر رحابة.
