طلب مرتفع على الإيجارات في مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا
تعاني مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب، من الطلب المرتفع على سوق الإيجارات، وارتفاع الأسعار في المدن الرئيسية كإدلب ومعرة مصرين وسرمدا والدانا. المنطقة تعاني بالأصل من اكتظاظ سكاني كبير، بسبب التهجير القسري والنزوح إليها من مناطق سيطرة النظام في عموم سوريا. كما تسبب الترحيل المتواصل للسوريين من تركيا إلى إدلب، خلال العامين الماضيين، بزيادة الضغط على سوق الإيجارات في إدلب.
ويعيش حالياً في مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ في إدلب حوالي 3,484 مليون نسمة، وفق آخر إحصائية صادرة عن وحدة تنسيق الدعم ACU في أكتوبر 2023. مدير المكتب الإعلامي في معبر باب الهوى مازن علوش، قال لمراسل سيريا ريبورت، أنه منذ بداية العام 2024، رحّلت تركيا حوالي 11 ألف شخص قسرياً من أراضيها إلى مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا، في حين عاد طوعياً حوالي 11 ألفاً. ويرفع ذلك من مجمل عدد العائدين من تركيا، خلال الشهور الستة الأولى من العام 2024، إلى 22 ألف شخص، بينما عاد خلال كامل العام 2023 حوالي 20 ألف شخص، منهم 11 ألف طوعياً و9 آلاف قسرياً.
اللاجئون السوريون في تركيا الذين لديهم بطاقة حماية مؤقتة “كيملك”، ويرغبون بالعودة إلى مناطق سيطرة المعارضة شمالي غربي سوريا، يمكنهم مراجعة دائرة الهجرة في الولاية التي يقيمون فيها لإجراء مقابلة تبين أسباب عودتهم، ويمنحون على أثرها ورقة تسمى “إذن ترحيل خارجي”. وغالباً ما تكون دوافع العودة متعلقة بالغلاء في تركيا، وعدم القدرة على تأمين تكاليف المعيشة فيها، وأيضاً الرغبة بجمع العائلة في الداخل السوري. ومن الأسباب المباشرة أيضاً، وغير المصرح بها، هي التضييق المتواصل على السوريين في تركيا وتصاعد الممارسات ذات الطابع العنصري ضدهم. دائرة الهجرة تمنح عندها الراغب/ة بالعودة، إذن ترحيل خارجي خلال 15 يوماً عبر أحد المعابر بين سوريا وتركيا، حيث يُسلّمُ اللاجئ الكميلك، وإذن الترحيل الخارجي، ويوقع على ورقة “عودة طوعية”.
أما الترحيل القسري، فهو يطال السوريين المقيمين في تركيا، المخالفين لشروط الإقامة، أو غير الحاصلين على بطاقة حماية مؤقتة. وبعد توقيف أولئك من قبل الشرطة التركية، يتم تجميعهم في مراكز تابعة لدائرة الهجرة، حيث تجري مراجعة سجلاتهم، وإجبارهم على التوقيع على وثيقة المغادرة الطوعية، وبعدها يتم تسفيرهم الى سوريا من المعبر الأقرب لمركز التجميع.
مراسل سيريا ريبورت أشار إلى أن الكثير من المرحلين قسرياً من تركيا إلى إدلب، ليسوا بالأصل من إدلب وليس لديهم فيها عائلات ممتدة أو أقرباء أو حتى معارف، ولا أملاك ولا مساكن. جزء كبير من هؤلاء المرحلين قسرياً ليس قادراً على العودة إلى مناطقه الأصلية لأنها واقعة تحت سيطرة قوات النظام. هذه الفئة من المرحلين قسرياً إلى إدلب، باتت مجبرة على إيجاد مساكن لها، وأيضاً البحث عن عمل في مناطق سيطرة المعارضة، خاصة مع صعوبة عودتها إلى الأراضي التركية. إذ تتشدد السلطات التركية في منع تهريب البشر من سوريا إلى أراضيها، وتلتزم فصائل الجيش الوطني المعارض كذلك، بمنع التهريب من الجانب السوري من الحدود.
بعد ترحيله من تركيا الى سوريا مطلع أيار 2024، عبر معبر باب الهوى، أقام عبداللطيف شهراً في محل للحلاقة الرجالية يعود لأحد معارف صديقه في مدينة سرمدا. خلال هذه المدة، كان عبداللطيف يبحث عن غرفة للإيجار، في مدن الدانا أو سرمدا. ولكن الأسعار المرتفعة، جعلته يغير الوجهة، ويستأجر غرفة في مدينة أطمة بـ40 دولاراً.
بينما، مصطفى انتقل للعمل في مدينة الدانا في نيسان 2023 مفتتحاً محله الجديد لبيع الألبسة الرجالية في شارع المولات. بانتظار أن يتمكن من استئجار منزل مناسب في الدانا، ظلت عائلة مصطفى، الكبيرة نسبياً، مقيمة في مدينة أطمه الحدودية مع تركيا حيث تستأجر منزلاً من أربع غرف واطلالة جيدة وإكساء جيد، بـ100 دولار شهرياً. منذ ذلك الوقت، يبحث مصطفى عن مسكن له وعائلته، في مدينة الدانا، لكنه تفاجأ بأن جميع المنازل المعروضة حالياً للإيجار في المنطقة، مرتفعة الإيجارات. للحقيقة، عَرّضّت مكاتب عقارية مختلفة على مصطفى بضعة مساكن، لكنها إما صغيرة لا تناسب عائلته الكبيرة، أو رديئة الإكساء. ومنها منزل مكون من 3 غرف، اكساءه متوسط، إيجاره الشهري 150 دولاراً، وأيضاً منزل قديم من غرفتين إيجاره الشهري 100 دولار، ومنزل مكون من 4 غرف في الطابق الثالث ايجار 200 دولار.
ويسكن في مدينة الدانا حوالي 164,235 نسمة، منهم 94 ألفاً من الوافدين إليها. في تعداد العام 2004 كان يسكنها حوالي 14 ألف نسمة فقط. وارتفاع أسعار الإيجارات في مدينة الدانا يعود لكونها منطقة تجارية مزدهرة شمال غرب سوريا، فيها أكثر من 10 مولات تجارية ضخمة، منها الحمرا والجلوم والزهراوي وسوق الذهب. كما أن المدينة قريبة من معبر باب الهوى مع تركيا، وقريبة من المنطقة الصناعية الملاصقة للمعبر. ويجعل ذلك من المدينة قبلة للوافدين إلى مناطق المعارضة، للسكن والاستثمار، وأيضاً للبحث عن فرص للعمل. وبسبب ذلك، فهناك طلب كبير على سوق الإيجارات، مقابل عرض ضعيف، بحسب ما قاله صاحب مكتب عقاري في مدينة الدانا لمراسل سيريا ريبورت. ورغم الطلب المرتفع على السكن فيها، والتوسع العمراني الكبير خلال السنوات القليلة الماضية، فالمدينة تعاني من واقع خدمي سيء، وبنية تحتية هشة، والناس تتزود بالماء عبر الصهاريج، والشوارع ضيقة وغير معبدة، وتطوف في الشتاء، كما تعاني المدينة من اختناقات مرورية مستمرة.
أحد العاملين في مكتب عقاري في الدانا، قال لمراسل سيريا ريبورت، إن تأجير المنازل يتم بعد توقيع عقود إيجار لمدة سنة. وتتقاضى المكاتب العقارية عمولة بمقدار إيجار شهري واحد، نصفه من المستأجر ومثله من المؤجر. كما يجب على المُستأجر تقديم مبلغ تأميني بقيمة إيجار شهر واحد، لصاحب المنزل، عادة ما يتراوح بين 100-150 دولاراً بحسب جودة الاكساء، وإن كان المنزل مفروشاً ام لا. يسترد المُستأجر هذا المبلغ التأميني عند انتهاء العقد وعدم تجديده، بعد اقتطاع مقابل لإصلاح الأضرار إن حدثت. يتم توثيق تلك العقود، في دفاتر العقود الرسمية التي توزعها حكومة الإنقاذ على المكاتب العقارية. ومن المفترض توثيق تلك العقود لدى الكاتب بالعدل، ودفع كلفة التوثيق وقيمتها 100 ليرة تركية. ولكن، غالباً لا يجري ذلك إلا إذ طلب المستأجر ذلك لضمان حقه مستقبلا في حال أي نزاع. إذ يتميز العقد الموثق لدى الكاتب بالعدل بأنه بمثابة مستند تنفيذي أمام دوائر التنفيذ في المحاكم.
حكومة الإنقاذ كانت قد فرضت في قرارها رقم 121 الصادر في شباط 2022، ضرورة توثيق عقود الإيجار لدى وزارة العدل، وتحديد مدة الإيجار بسنة واحدة قابلة للتجديد. كما فرض القرار تحديد قيمة الإيجار الشهرية في العقد صراحة، بالليرة التركية أو الدولار. وأعطى القرار المُؤجّرَ الحق بإخلاء المستأجر عند انتهاء مدة الايجار، الا ان حكومة الانقاذ لم تضع آليات لمتابعة تنفيذ هذا القرار، ولذلك تخضع عمليات التأجير لاتفاق الأطراف، وغالباً ما يلا يتم التصريح بقيمة الإيجار.
