مشاريع التعافي المبكر والصمود المجتمعي في مناطق سيطرة النظام
خلال العامين الماضيين، خاصة بعد زلزال 6 شباط 2023، موّلت ونفذت منظمات دولية ومحلية، حكومية وغير حكومية، مشاريع متعددة تحت عناوين “التعافي المبكر” و”الصمود المجتمعي” في مختلف المناطق السورية.
في لغة المنظمات، يستخدم مصطلح “التعافي المبكر” لوصف مرحلة وسيطة تفصل بين الإغاثة الطارئة وبين التنمية المستدامة وإعادة الإعمار، خلال الاستجابة الإنسانية الدولية للأزمات والكوارث. بينما يشير مصطلح “الصمود المجتمعي” إلى قدرة المجتمع على التكيف في مواجهة الأزمات والكوارث، والاستجابة لها، والتعافي منها بشكل فعال. في كل الأحوال، هذه المصطلحات فضفاضة، ويمكن لكثير من المشاريع أن تدرج ضمنها.
يحاول هذا المقال استعراض بعض المشاريع التي تنفذها المنظمات الدولية والمحلية، الحكومية وغير الحكومية، في مناطق سيطرة النظام، تحت عنوان التعافي المكبر والصمود المجتمعي، والتي قد يكون لها تأثير محتمل على حقوق السكن الأراضي والملكية. جميع المعلومات في هذا المقال مأخوذة من الصحافة المحلية الرسمية، مواقع المنظمات الإلكترونية وصفحاتها في وسائل التواصل الاجتماعي.
جزء وازن من مشاريع التعافي المبكر والصمود المجتمعي تركزت في مدينة حلب، بوصفها الأكثر تضرراً خلال الحرب وبالزلزال. حلب الشرقية، وفيها عشوائيات كبيرة، تعرضت لدمار واسع النطاق خلال فترة حصارها من قبل قوات النظام 2012-2016، وخضعت غالبية سكانها للتهجير القسري إلى مناطق المعارضة شمال غربي سوريا. لذا، ففي المنطقة عدد كبير من الملكيات غير الموثقة في السجلات العقارية، والتي يملكها غائبون من المهجرين قسرياً. كل ذلك، يفرض على الممولين، ضرورة إيجاد آلية واضحة للتأكد من ملكيات العقارات، وساكنيها، وملكية أصحاب الأنقاض، قبل تنفيذ أي أعمال ترتبط بترميم أبنية، ترحيل أنقاض، أو تنظيف وفتح الطرق، وتأهيل شبكات الصرف الصحي.
حالياً، يعمل المجلس الدانماركي للاجئين على اطلاق مشروع للتعافي المبكر والصمود المجتمعي، في بعض أحياء مدينة حلب الشرقية، لترميم مراكز صحية ومدارس، وتأهيل شبكات الصرف الصحي، وتنفيذ الإنارة البديلة، وتنفيذ برامج تثقيف صحي، صحة نفسية، حماية أسرية ومبادرات مجتمعية. وتشمل هذه الأحياء السكري وبستان القصر والكلاسة. ويُنفّذُ المشروع، بالشراكة مع منظمات الهيئة الطبية الدولية وأوكسفام. وقد جاء الإعلان عن المشروع في اجتماع ضمّ مديرة مكتب سوريا في المجلس الدانماركي للاجئين ومحافظ حلب، في 2 تموز، بحسب ما أوردته صحيفة الجماهير المحلية الرسمية.
إن كانت المشاريع السابقة لا تشكل خطراً مباشراً على حقوق السكن الأراضي والملكية، فهذا ليس حال جميع مشاريع التعافي المبكر والصمود المجتمعي المنفذة في حلب. مثلاً، اللجنة الفرعية للإغاثة في حلب، وهي فرع محافظة حلب من اللجنة العليا للإغاثة التي تتبع لوزارة الإدارة والمحلية والبيئة، كانت قد وافقت في 20 آذار 2024، على تنفيذ مشاريع في مجال تعزيز سبل العيش والمياه والتدريب والتعافي المبكر، بالتنسيق مع منظمات دولية، وجمعيات غير حكومية محلية، لم تسمّها. ومن أبرز تلك المشاريع “النقد مقابل العمل” لجمع وترحيل النفايات الصلبة والأنقاض من أحياء الصاخور، الشعار، ضهرة عواد، كرم القاطرجي، الفردوس وكرم الدعدع. مجدداً يجدر التذكير بأنه في المشاريع التي تتضمن إزالة وترحيل الأنقاض، يفترض أن تدقق الجهات المانحة، في ملكية الأنقاض، خاصة أنها تتعامل مع أملاك في مناطق عشوائية غير موثقة في السجلات العقارية، ومعظم سكانها من المهجّرين قسرياًَ.
في حلب الشرقية أيضاً، وتحت عنوان التعافي المبكر وتعزيز الصمود المجتمعي، أطلقت منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، في حزيران 2023، مشروعاً يهدف لإعادة تأهيل البنية التحتية في 14 موقعاً في حيي الصالحين والفردوس. ووفر المشروع، بحسب القائمين عليه، طرقاً آمنة ونظيفة، بعد إزالة الركام والأنقاض منها، وكذلك إصلاح شبكة الصرف الصحي، وإعادة تأهيل الأرصفة.
في الوقت ذاته أيضاً، سلمت منظمة العمل الدولية نقابة المهندسين في حلب، معدّات هندسيّة لتقييم الأضرار الهيكلية في الانشاءات والأبنية، ما يتيح إعادة استخدام الأبنية المتضررة غير الآيلة للسقوط والتي لن تشكل خطراً في حال إعادة سكنها. كما تتيح هذه المعدات رفع السوية المهنية لمهندسي النقابة عبر التدريبات المكثفة.
وكانت منظمة العمل الدولية قد اطلقت بعد زلزال شباط 2023 مشروعاً بمرحلتين لإعادة إحياء حيي الفردوس والصالحين، من خلال ما اسمته بالمقاولات المجتمعية والتشغيل الطارئ. وتضمن ذلك إزالة الركام المتبقي من الزلزال لفتح الطرق، وصيانة شبكات الصرف الصحي، وتأهيل الارصفة. وبلغت كمية الأنقاض التي تم ترحيلها 5,400 متراً مكعباً، ما أتاح إعادة الوصول إلى 28 موقعاً، وشارك في العمل 6,600 عاملاً.
ويتداخل مفهوما المقاولات المجتمعية والتشغيل الطارئ مع التعافي المبكر والصمود المجتمعي. إذ أن المقصود بالمقاولات المجتمعية هي المشاريع المصممة لتحقق حلول مستدامة للمشاكل الاجتماعية والبيئية، وأيضاً لتحقيق مردود مالي. تركز المقاولات المجتمعية على خلق فرص عمل، وتعزيز التنمية المحلية، ودعم الاقتصاد المحلي، والابتكار الاجتماعي. بينما التشغيل الطارئ هو توفير فرص عمل مؤقتة للأفراد المتضررين من الأزمات أو الكوارث، بهدف توفير دخل سريع، وإعادة بناء البنية التحتية، تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتدريب الأفراد وتمكينهم من اكتساب مهارات جديدة.
في العاصمة دمشق وريفها، نُفذت أيضاً مشاريع متعددة تحت عنوان التعافي المبكر، لكنها كانت أكثر تركيزاً على المشاريع المائية، خاصة فيما يتعلق بتأهيل شبكات الماء والصرف الصحي، وتركيب منظومات طاقة بديلة لتشغيل مضخات الماء بعد تأهيلها. ساهمت في تلك المشاريع منظمات متعددة مثل أوكسفام وشيلد، العون الكنسي النرويجي، اليونيسيف، مع إشراك فعاليات محلية في عمليات التخطيط والتنفيذ.
في إطار مشروع باسم “بناء الصمود المحلي في سوريا” تموله المملكة المتحدة، انتهت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، في حزيران 2024، من إعادة تأهيل 88 كيلومتراً من شبكات الري و70 كيلومتراً من شبكات الصرف جنوبي حماة، ضمن مشروع لدعم عشرة آلاف مزارع يعملون في 7,500 هكتار من الأرض الزراعية موزعة في 16 قرية، في ريف حماة الجنوبي الغربي. وكان موقع الأمم المتحدة عن أعلن في نيسان 2024، عن هذا المشروع، الذي قال إنه سيعزز الأمن الغذائي وسبل العيش وقدرة المزارعين وأسرهم على الصمود لسنوات قادمة.
وكانت الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، بالتعاون مع “الفاو”، قد أعادت في أكتوبر 2023، تأهيل وصيانة مقطع من قناة ري رئيسية في سهل الغاب تروي أراضي زراعية جزء منها يملكها مُهجّرون قسرياً عن المنطقة، ممن أدرجت محافظة حماة أراضيهم سابقاً في المزادات العلنية للاستثمار. وهذه ليست المرة الأولى التي تتم فيها أعمال تأهيل لبنى تحتية، بتمويل من منظمات دولية، حكومية أو غير حكومية، لمشاريع تنتهك حقوق ملكية أصحاب الأراضي الغائبين من المهجرين قسريا. في نوفمبر 2022، وبتمويل من منظمة الإعانة الإسلامية الفرنسية أعيدت صيانة 3,060 متراً من قناة في منطقة قلعة المضيق في سهل الغاب، والتي تروي أراضي لمهجرين قسرياً عن المنطقة.
