لماذا يتشدد محافظ دمشق في ملاحقة مخالفات البناء؟
لمراقب خارجي تبدو مشاكل محافظة دمشق مقتصرة على مخالفات البناء، رغم أن المدينة تعاني من مشاكل لا تقل أهمية. ويُقدّمُ محافظ دمشق محمد طارق كريشاتي مخالفات البناء، على بقية الملفات الخدمية الضرورية، وذلك يمثل مواصلة إرثه أثناء خدمته كمحافظ لحماة بين العامين 2020-2022.
المحافظ يجتمع باستمرار مع رؤساء ومهندسي دوائر الخدمات والبلديات في محافظة دمشق، ويشدد في حديثه معهم على أولوية قمع مخالفات البناء في المحافظة، وإحالة المقصرين والمخالفين إلى القضاء وفقاً للتعليمات التنفيذية لقانون مخالفات البناء رقم 40 لعام 2012. مصدر في محافظة دمشق، قال لمراسل سيريا ريبورت، أن المحافظ زاد مؤخراً من حدة تهديداته لموظفي المحافظة، بتشديد العقوبات، على كل من يتواطأ منهم في التستر على مخالفات البناء ومن يُقصّر في قمعها والتبليغ عنها. ولا تبدو تلك التهديدات مجرد كلام. إذ تم خلال العامين الماضيين سجن العديد من موظفي المحافظة والبلديات، وبعضهم ما زال من دون محاكمة.
يؤكد المحافظ على ضرورة متابعة المحافظة الدائمة لكل من رخص البناء ورخص الترميم (اسمها الرسمي رخصة التدعيم وإعادة البناء الجزئي)، والإشراف على مطابقة الأعمال المنفذة مع شروط الترخيص، والحرص على منع حدوث مخالفات وتغيير لمواصفات العقارات. ويحمل المحافظ موظفي المحافظة مسؤولية عدم كشف مخالفات رخص البناء والترميم.
لكن، مصادر سيريا ريبورت في محافظة دمشق، تشكك بمدى جدية المحافظ بوقف مخالفات البناء، لما تشكله من مصدر مهم للفساد. بل تشير المصادر إلى أن بعض المخالفات الكبيرة تتم بعلم المحافظ، الذي بإمكانه منع مهندسي المحافظة من دخول مواقع بناء مخالفة باعتبارها ذات “وضع أمني خاص”. من تلك العقارات التي مُنع على الموظفين ومهندسي الخدمات والبلديات في المحافظة دخولها والكشف عليها أثناء أعمال الترميم، كان بناء في حي المالكي الدمشقي، لصاحبه وسيم القطان، الذي انهار بشكل جزئي في 11 أيلول الماضي. وعقب الانهيار، تم إيقاف العديد من مسؤولي وموظفي محافظة دمشق ودوائرها الخدمية والبلدية، ومنهم رئيسة بلدية المهاجرين التي كانت على أبواب التقاعد بعد أيام.
أمر مشابه تكرر في 13 نوفمبر 2023، مع انهيار بناء غير مرخص في عشوائية حي التضامن، إذ تم توقيف رئيس البلدية الحالي، وعدد من رؤساء البلدية السابقين، رغم أن المنطقة تقع تحت سيطرة ميليشيا الدفاع الوطني الموالية للنظام، ولا يستطيع موظفو محافظة دمشق التحرك فيها بحرية. وفي مقال نادر من نوعه بعنوان “وثيقة الترميم.. باب استرزاق!”، هاجمت صحيفة الوطن شبه الرسمية، في 22 نوفمبر الماضي، محافظة دمشق، وقالت إن ما فعلته المحافظة بعد انهيار البناء في حي التضامن “لا يعفيها من المسؤوليات”، وأن عليها أن “تتخذ المزيد من الخطوات الاستباقية لتجنب أي آثار كارثية محتملة الحصول”، مؤكدة أن “التهاون في التقيد بإجراءات السلامة والتهاون من المنفذين والمشرفين جريمة بشعة”. لكن، الصحيفة أشارت بوضوح إلى أن الجميع بات يعرف “مدى التسيب والإهمال والاسترزاق لكل متعهد بناء أو مالك، حيث فتحت المحافظة باباً عريضاً للفساد”، وذلك عبر وثيقة الترميم التي اعتبرتها “مصدر فساد ومنفعة لموظفي المحافظة وتحقيق الأرباح الخيالية لدى المتعهدين والمالكين”، الذين “يدفعون (رشى) للبلديات وللمحافظة ويحصلون على أذونات العمل”. الصحيفة قالت إنه يتم استغلال وثيقة ترميم لشقة بغرض إشادة طوابق أخرى من دون التقيد بالسلامة الإنشائية و”بعيداً عن أعين الرقابة المعنية، وفي أحيانا كثيرة يتم التغاضي والسكوت مقابل الدفع وأخذ الهدايا وغيرها”.
وتحاول المحافظة إشراك مخاتير الأحياء في قضية مخالفات البناء عبر إلزامهم بالتبليغ عنها، وتهديدهم بالإعفاء من الوظيفة والسجن، في حال وقوع مخالفة دون الإبلاغ عنها. عضو المكتب التنفيذي في المحافظة قيس رمضان، قال في 20 نوفمبر، بأن المحافظة في حال ضبطها لأي مخالفة بناء لم يبلغ عنها المخاتير، سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. وأكد رمضان أن هناك حاجة لتعيين 15 مختاراً بدل الذين تم إعفاؤهم لأسباب تتعلق بمخالفات قانونية، أو وفاتهم أو سفرهم. وليس لمخاتير الأحياء من صلاحيات كبيرة وتقتصر مهامهم على إصدار سندات الإقامة لسكان الحي وتبليغهم مواعيد جلسات المحاكم. وبحسب القوانين السورية، ليس من صلاحيات المخاتير الإبلاغ عن مخالفات البناء.
مصادر سيريا ريبورت أشارت إلى أن التشدد في ملاحقة المخالفات تسبب مؤخراً بعرقلة إصدار وثائق الترميم في دمشق، إذ بات الموظفون يخشون تيسير الإجراءات، حتى ولو كانت نظامية، كي لا يتحملوا عواقب حدوث مخالفات بغير علمهم. لذلك، قد تشهد بعض الأحياء الشعبية في مدينة دمشق، بحسب تحذيرات من مهندسين في المحافظة، حدوث انهيارات نتيجة عدم الترميم والتدعيم، ومنع إدخال مواد البناء إلى أحياء المدينة.
