تأجير عقارات الأوقاف في مناطق الإدارة الذاتية
حدد قانون الأوقاف رقم 13 لعام 2023، الذي أصدره المجلس العام للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، أسس إدارة أموال وعقارات الأوقاف والتصرف بها وطرق استثمارها، كذلك ضوابط تأجير العقارات الوقفية أو أجزائها، إلى جانب حقوق المنتفعين بها، ووضع قواعد للقضاء أثناء نظره في المنازعات حول قضايا التأجير والتصرف والترميم لعقارات الأوقاف.
عقود إيجار واستثمار العقارات الوقفية، باتت مع القانون 13\2023، سندات تنفيذية يُطبّقُ عليها قانون الإجراءات المدنية الصادر عن المجلس العام في سبتمبر 2022. ويعني ذلك، أن عقد الإيجار الموثق لدى مديرية الأوقاف، يعتبر سنداً قابلاً للتنفيذ المباشر لدى دوائر التنفيذ، من دون الحاجة لإقامة دعوى أمام المحكمة والحصول على حكم قابل للتنفيذ. ويحق لدائرة الأوقاف استرداد العقار مع انتهاء مدة الإيجار أو الاستثمار وفقاً للقانون 13\2023.
وبشكل عام، ينسجم القانون 13\2023 النافذ في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، مع قوانين الأوقاف النافذة في مناطق سيطرة النظام، وآخرها القانون رقم 31 لعام 2018، التي يجيز تأجير عقارات الأوقاف لمدد طويلة، على أن يؤدي ذلك إلى تحقيق منفعة أكبر للمال الوقفي والمجتمع. ويتجلى ذلك بمنح حق الاستثمار والمنفعة للغير، مقابل إيجار يُدفع للأوقاف، مع بقاء أصل الملكية وقفياً. ويجوز لوزارة الأوقاف، عبر مديرياتها، تأجير العقارات الوقفية، سواء أكانت أراضٍ زراعية أو دوراً سكنية أو محال تجارية، عن طريق المزادات العلنية. ويدفع المستأجر في هذه الحالة “هبة” لصالح مديرية الأوقاف، مع إيجار سنوي رمزي. ويكون عقد الإيجار لمدة محددة، لكنه قابل للتجديد الضمني. وينطبق على هذه العقارات أحكام عقود الإيجار في القانون المدني الصادر في العام 1949، مع اشتراط توثيقه من قبل وزارة الأوقاف ومديرياتها.
بالعودة إلى مناطق الإدارة الذاتية، فإن المادة 23 من القانون 13\2023، نصت على أنه عند تنازل المستأجر لمستأجر جديد، يجب أخذ رأي مديرية الأوقاف، واطلاعها على بدل الإشغال الحقيقي المتفق عليه بين المستأجر الأصلي والمستأجر الجديد. ويحق لمديرية الأوقاف إما أخذ هبة بنسبة 10% من قيمة بدل الإيجار الحقيقي المتفق عليه، أو شراء حق الإيجار من المستأجر القديم. وذلك لأن مديرية الأوقاف هي بالأصل مالكة لحق الرقبة في العقار، بينما المُستأجر هو صاحب حق انتفاع خلال مدة الإيجار. ولذلك، فإن لمديرية الأوقاف حق الأولوية في شراء حق الإيجار عندما يريد المستأجر التنازل إلى الغير. وكل تنازل من دون موافقة مديرية الأوقاف المختصة يعتبر باطلاً.
في حالة العقارات الوقفية المستخدمة تجارياً، وفق القانون 13\2023، يتوجب على البائع قبل نقل فروغ المحل التجاري الوقفي للمشتري، أخذ موافقة لجنة الأوقاف العقارية التابعة لمديرية الأوقاف، وهي أحق بالشراء. وإذا لم تشترِ اللجنة فروغ المحل، يجب على البائع دفع 10% من قيمة العقار الجارية هبةّ للأوقاف، ويتم بعد ذلك تنظيم عقد ايجار واستئجار جديد بين لجنة الأوقاف العقارية والمشتري الجديد. عقود التأجير الدائمة “الفروغ” هي عقود غير محددة المدة لمحال تجارية، موقعة ما قبل صدور قانون الإيجار الساري، رقم 10 لعام 2006، وتخضع لنظام التمديد الحكمي بغض النظر عن رغبة وإرادة المؤجّر. وفق نظام الفروغ، يدفع مُستأجر المحل قيمة الإيجار إلى مديرية الأوقاف، وغالباً ما تكون مبلغاً بسيطاً غير قابل للزيادة. في حين يحق للمستأجر التنازل عن المحل، بكافة عناصره المادية و المعنوية، إلى مستأجر آخر، مقابل مبلغ يسمى بدل الفروغ، والذي يُعادُلُ فعلياً السعر الحقيقي للمحل. ويقوم المستأجر الجديد بدفع ذات قيمة الإيجار المنخفضة لمديرية الأوقاف.
بأثر رجعي، أوجب القانون 13\2023 زيادة بدل إشغال العقارات الوقفية المؤجرة قبل صدوره في نوفمبر 2023، بنسبة 60% من قيمة إيجارها الأخيرة، وذلك عن كل 3 سنوات سابقة لم تشهد زيادة في بدل إشغالها. وأعطى القانون للمستأجر والمؤجر (مديرية الأوقاف)، الحق في رفع دعوى تخمين في المحكمة لتحديد قيمة إيجار العقار محل الخلاف. وتستند المحكمة إلى تقدير الخبراء قيمة المأجور، بهدف إيجاد توازن بين المنفعة المترتبة على المأجور والأجر المستحق. في حين كان القانون 31\2018 قد أوجب زيادة بدلات إيجار العقارات الوقفية المؤجرة قبل صدوره، بنسبة 30% من قيمة إيجارها الأخيرة، وذلك عن كل 3 سنوات سابقة لم تشهد زيادة في بدل إشغالها.
ويتسبب هذا الازدواج القانوني بكثير من الإرباك في شمال شرقي سوريا، والضياع بين القوانين التي تصدرها الإدارة، والقوانين النافذة الصادرة عن حكومة النظام. وبات المنتفع من العقار الوقفي، ملزماً بزيادة بدل الإشغال للعقار الوقفي، والدفع مرتين؛ مرة بنسبة 60% من قيمة الإيجار الرائجة لمديرية الأوقاف التابعة للإدارة الذاتية، ومرة بنسبة 30% من قيمة الإيجار الرائجة لمديرية الأوقاف التابعة لوزارة الأوقاف في حكومة دمشق.
كما يجب تسجيل جميع العقود، الجديدة والقديمة، لدى مديرية الأوقاف بموجب أحكام القانون 13\2023، ومن لا يلتزم من المستأجرين بالتسجيل يعتبر عقده لاغياً بعد 3 أشهر من تبليغه أصولاً. يجري تبليغ المستأجرين، وفق قواعد التبليغ، بالصحف الرسمية الصادرة في شمال شرق سوريا، في حال تعثّر التبليغ الشخصي للمكلف أو لأقاربه من الدرجة الأولى. ويمثل ذلك خطراً محتملاً على الحقوق خاصة للمغتربين والنازحين الذين قد لا يتم تبليغهم أصولاً، وبالتالي قد تصبح عقودهم باطلة بعد 3 أشهر من عدم تسجيلها لدى مديرية الأوقاف.
بينما يعاقب القانون 13\2023 كل من يتعدى على عقارات الأوقاف بعقوبة المتعدي على الأملاك العامة. وتنص المادة 17 من القانون 13 على أن المتجاوز والمتعدي على عقارات الأوقاف هو كل من يشغل أو يستغل عقارات وقفية أو أجزاء منها بأي صفة كانت، من دون عقد صحيح موثق لدى مديرية الأوقاف. ولا يُعدُّ تقاضي دوائر الاوقاف بدلات أشغال بمنزلة عقد بالنسبة للمتجاوز على عقارات الأوقاف.

