قصف إسرائيلي يلاحق الميليشيات الموالية لإيران في حي المزة الدمشقي ويثير مخاوف السكان
منذ أشهر، تتعرض منطقة المزة بدمشق، لقصف جوي إسرائيلي متكرر، على أهداف مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وميليشيات حزب الله اللبنانية وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين. المواقع المستهدفة غالباً ما تكون شققاً ضمن مباني سكنية، أو سيارات، أو منشآت عسكرية وأمنية لتلك المنظمات. وغالباً ما يتسبب القصف بأضرار جسيمة للشقق المستهدفة، من دون تسجيل انهيار أي بناء بشكل كامل. ولكن القصف المتكرر، يشيع جواً من القلق والخوف بين السكان، ويدفع بعضهم لترك المنطقة.
حي المزة، من أكبر أحياء مدينة دمشق، ويضم مناطق منظمة فخمة يسكنها كثير من كبار الموظفين الحكوميين، المسؤولين الأمنيين والعسكريين، وأيضاً رجال الأعمال، مثل فيلات شرقية وفيلات غربية. كما توجد في المزة عشوائيات كبيرة مثل المزة جبل 86 والتي نشأت وتوسعت حول ما كان ثكنة عسكرية لعناصر وضباط ميليشيا “سرايا الدفاع” التي كان يقودها في الثمانينيات رفعت الأسد، أخ الرئيس الراحل حافظ الأسد.
وفي العموم، المزة من أكثر أحياء دمشق اكتظاظاً سكنياً، وتشهد بمناطقها المنظمة والعشوائية، حضوراً علوياً كثيفاً. كما يوجد في المزة مطار عسكري، وقواعد أمنية وعسكرية لإدارة المخابرات الجوية. في المزة أيضاً كثير من السفارات ومنها السفارة الإيرانية. مدينة الجلاء الرياضية، ومدينة الشباب الرياضية، وبضعة مشافي كبيرة منها مشفى الأسد الجامعي، ومبنى صحيفة البعث الرسمية.
ولهذه الأسباب مجتمعة، يبدو بأن قيادات الحرس الثوري الإيراني، وميليشيات حزب الله، حماس، والجهاد الإسلامية، قد وجدت في المنطقة، (أمر مماثل حدث في تنظيم كفرسوسة المجاور)، مكاناً يمكن فيه الحركة من دون إثارة الشبهات. بعض عمليات إسكان مسؤولي تلك الميليشيات في الحي، تتم عبر تنظيم عقود إيجار بأسماء أشخاص آخرين، ما يحمي هوياتهم. مثلاً، في العام 2013، نظّم موظف في محافظة دمشق، ثمانية عقود ايجار في المزة، باسم أشخاص يتبعون للحزب السوري القومي الاجتماعي، الموالي للنظام ولديه ميليشيا مسلحة قاتلت إلى جانب قوات النظام خلال الحرب السورية. العقود سُجّلت في مكتب توثيق عقود الإيجار في المحافظة، وبحضور مندوب من محافظة دمشق. مصادر سيريا ريبورت، أشارت إلى أن سكان تلك الشقق كانوا إما من الحرس الثوري الإيراني، أو من قيادات الميليشيات الرديفة لها في سوريا.
ولكن هذه المعادلة انقلبت منذ أيلول الماضي، مع بدء إسرائيل استهداف مواقع في الحي، ومنها مبنى القنصلية الإيرانية الذي تسبب بمقتل قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري العميد محمد رضا زاهدي، ونائبه. من ذلك الوقت، شهد الحي قصفاً إسرائيلياً متكرراً، آخرها في 15 نوفمبر، استهدف محيط مطار المزة العسكري.
منى، من سكان المزة، تقول لسيريا ريبورت أنها باتت تخشى من التواجد في أي تجمع بشري، إن كان سوقاً أو مكاناً عاماً، أو حتى في الأبنية السكنية التي لا تعرف كل سكانها، لأنه بحسب وصفها فإن “استهداف أحدهم في هذه الأماكن قد يتسبب بمقتل آخرين بالصدفة”. وتضيف أنه لم يعد سهلاً تمييز الغرباء في المزة، لأن جزءاً كبيراً منهم باتوا بحكم الأمر الواقع من سكان المنطقة منذ العام 2012.
في 8 أكتوبر 2024، نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن مصدر عسكري قوله، إنه حوالي الساعة 20.15 بالتوقيت المحلي “شن العدو الإسرائيلي عدوانا جويا بـ3 صواريخ من اتجاه الجولان السوري المحتل مستهدفا أحد الأبنية السكنية والتجارية في حي المزة المكتظ بالسكان في دمشق”. هذا القصف تسبب بمقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين. وكالة الصحافة الفرنسية قالت إن الغارة دمرت الطوابق الثلاثة الأولى من مبنى، واحتراق أكثر من 20 سيارة مركونة بالمكان.
منى تقول لمراسل سيريا ريبورت، أن ذلك القصف استهدف شقة في بناء في منطقة سكنية معروفة باسم “بنايات الـ14″، وقد عملت فرق الإنقاذ طيلة الليل على انتشال الجثث واخماد الحرائق. صبيحة اليوم التالي، حضرت دورية من الشرطة إلى بنايات الـ14، وطلبت من اللبنانيين المستأجرين فيها الإخلاء الفوري. وتضيف منى، أن السكان السوريين، هم من طلبوا من الشرطة التدخل، لإخلاء الشقق من المستأجرين اللبنانيين، خاصة إن كانوا رجالاً بلا عائلات. استجابة الشرطة السريعة لمطلب السكان، تبدو غير معهودة في سوريا. لكن منى أوضحت، أن ذلك يعود لأن كثيراً من سكان الحارة لديهم روابط عائلية وقرابية مع ضباط ومسؤولين في الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية، وبالتالي فإن التجاوب معهم بسرعة هو أمر طبيعي. ورغم أن ذلك الإجراء ساهم بخفض حدة المخاوف لدى السكان في منطقة بنايات الـ14، إلا أن الإشاعات عن احتمال استهداف أبنية أخرى لم تهدأ. تشير منى إلى أن بعض أحياء المزة، المزدحمة دائماً، بدت في الأيام الأخيرة خالية على غير العادة.
أحد سكان المزة، قال لسيريا ريبورت، أنه أجّر منذ سنوات شقة له في بنايات الـ14، لسوري من محافظة ديرالزور، أساء استعماله وتسبب بحدوث أعطال كثيرة فيه. وعندما رفض المؤجر تمديد عقد الإيجار للمُستأجر، أبلغه المُستأجر بأنه يعمل مع حزب الله، وأنه موجود بمهمة من الحزب، ولا يمكن لأحد إخراجه منه، وبات يدفع الإيجار بشكل متقطع. وبعد قصف الشقة في بنايات الـ14، استغل المالك الظرف، وأبلغ الشرطة بوجود هذا المستأجر المستعصي في منزله، وتفاجأ بأن الشرطة عملت على إخراج المستأجر من المنزل بسلاسة.
على عكس منى، مروان وعائلته المكونة من زوجة وثلاثة أطفال، تركوا منزلهم في المزة القريب من الحديقة الفرنسية بعدما اغتالت إسرائيل بقصف جوي القيادي في ميليشيا حزب الله محمد جعفر قصير، مطلع أكتوبر الماضي. يقول مروان، لمراسل سيريا ريبورت، إنه لم يعد يشعر بالأمان خاصة مع وصول شظايا القصف إلى منزله. لذا، فقد قرر حماية عائلته والانتقال إلى شقة مفروشة وسط مدينة دمشق حيث تخلو من اللبنانيين والإيرانيين، بحسب وصفه. يضيف مروان، أن أحداً لم يتقدم لاستئجار منزله في المزة، رغم أنه عرضه منذ منتصف أكتوبر الماضي. ويعلق على ذلك مستهجناً بقوله، إن هذا أمر غريب، إذ لطالما كان تأجير أي منزل في المزة أمراً لا يستغرق بضعة أيام، لكن في هذه الفترة يبدو أن الطلب منخفض للغاية.
أمر مماثل، حدث مع عفراء، التي تعيش مع أمها المسنة، في المزة. إذ تخشى عفراء، أن يتسبب أي انفجار قريب، بتدهور وضع والدتها الصحي، أو العجز عن إسعافها. لذا، قررت عفراء ترك منزلها، وأخذ أمها إلى مكان أكثر أماناً. الملفت بحسب شهادة عفراء، أن ما شجعها على اتخاذ هذه الخطوة أن سكان ثلاثة منازل مجاورة لها نزحوا خلال الأيام الماضية عنها. لعفراء أقارب في إحدى ضواحي ريف دمشق، ممن ساعدوها في استئجار منزل قريب منهم. تضيف عفراء في وصف مكان إقامتها الجديد، بأنه أكثر أماناً بوصفه منطقة نفوذ روسية.
