وكالة للأمم المتحدة تشارك في مشروع تعافٍ مبكر حساس في دمشق القديمة
جرى تحديث هذا المقال في 11 يناير، 2024، ليشمل توضيحاً من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول دوره في مشروع التعافي المبكر.
نهاية تشرين الأول الماضي، أطلقت محافظة دمشق، مشروع “التخطيط التشاركي للتعافي المبكر لمدينة دمشق القديمة”، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP في سوريا، بحسب ما نشره موقع رئاسة مجلس الوزراء ووكالة الأنباء الرسمية سانا في 28 اكتوبر 2023. ويسود بعض الغموض طبيعة المشروع، ومراحله، نظراً لتعقيدات تتعلق بطبيعة الملكية الخاصة في المنطقة، وأيضاً بسبب عدم وجود تعريف واضح للتعافي المبكر. كما أن تداخل عمل وكالتين دوليتين في المنطقة ذاتها، وهما UNESCO وUNDP، قد يزيد من احتمال التداخل في العمل.
إطلاق المشروع جاء خلال اجتماع عقد في 28 تشرين الأول، وضم محافظ دمشق ومسؤولي المحافظة، وممثلين عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وقد تواصلت سيريا ريبورت مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، مرات متعددة خلال الشهر الماضي، لكن أحداً من البرنامج لم يجب على الأسئلة المطروحة.
وأكد محافظ دمشق محمد طارق كريشاتي، بحسب موقع رئاسة مجلس الوزراء ووكالة سانا، أن المشروع هو عملية تشاركية تتكامل فيها جهود المحافظة مع المجتمع المحلي، للوصول إلى خطة تعافٍ مبكر لأحياء المدينة القديمة بدمشق. وبحسب المحافظ، تتضمن خطة التعافي؛ تعزيز قدرات لجان الأحياء واللجان التطوعية والأفراد، وتعزيز الحوار بين السلطات المحلية في المدينة القديمة وبين المجتمع المحلي، وتحفيز مشاركة المجتمع المحلي ودعم مبادرات مجتمعية، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في عملية صنع القرار على المستوى المحلي، وتعزيز المسؤولية المجتمعية لدى القطاع الخاص وإشراكه في الحوار والعمل.
وأشار المحافظ إلى تشكيل خمس لجان للمدينة القديمة، تضم ممثلين عن المجتمع المحلي ولجان الأحياء ومجلس المحافظة وفعاليات اقتصادية وتجارية ودينية. ولا تتوفر تفاصيل إضافية حول هذه اللجان، ولا معايير اختيار أعضائها.
وتحدثت في الاجتماع ذاته مديرة قسم الحوكمة المحلية والدراسات الأساسية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا الدكتورة هلا رزق، وأكدت على أهمية المشروع، لجهة تعزيز التعاون بين البرنامج والمحافظة والمجتمع الأهلي، ووضع الخطط المتكاملة من جميع الأطراف المشاركة، وتفعيل المبادرات لتحسين الواقع التنموي والخدمي في المدينة القديمة، وعقد دورات تدريبية للمشاركين، بحسب ما نشرته وكالة سانا وموقع رئاسة مجلس الوزراء في 28 اكتوبر 2023.
التعافي المبكر
استعمل مصطلح التعافي المبكر في السنوات الأخيرة من الأزمة السوري كأحد الموضوعات الرئيسية في النقاش الدولي حول التنمية في مرحلة ما بعد النزاع. ولا يوجد إجماع كامل على المقصود بالتعافي المبكر، سواء من حيث السياسة أو البرامج، لكنه في العموم يعقب مرحلة الاستجابة الإنسانية للطوارئ، ويسبق مرحلة إعادة الإعمار. ويهدف التعافي المبكر لاستعادة الخدمات الرئيسية التي تُمكّنُ المتضررين من الاعتماد على أنفسهم بشكل مستدام.
وتنظر حكومة دمشق إلى مشاريع التعافي المبكر، كبديل محتمل، بعد ظهور مؤشرات على إمكانية توقف التمويل الدولي في قضايا المساعدات الإنسانية والإغاثية. وتعتبر حكومة دمشق، بحسب مصادر سيريا ريبورت، أن دفع المنظمات الدولية للتعاون معها في تنفيذ مشاريع التعافي المبكر، هو خطوة أولى قد يتبعها الضغط على تلك المنظمات لدعم برامج إعادة إعمار أوسع نطاقاً وتمويلاً. ويسود اعتقاد في حكومة دمشق، بأن هذا ممكن، عبر التوافق مع المنظمات الدولية على توسيع نطاق التعافي المبكر. وتبدو مرحلة التعافي المبكر، مريحة للأطراف المشتركة فيها، إذ تمنحهم هوامش للمناورة فيما بينهم. إذ تعفي هذه المرحلة المنظمات الدولية من اشتراطات المانحين الرئيسيين، كالولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، بربط إعادة الإعمار بتحقيق انتقال سياسي وفق القرار الدولي 2254. في الوقت ذاته، يعطي السلطة السورية، إمكانية توجيه التمويل إلى مشاريع ملحة وضرورية لحاضنتها الاجتماعية، وتنفذها شركات مرتبطة بشكل غير مباشر بمسؤولي النظام المدرجين على لوائح العقوبات الدولية.
دمشق القديمة ولائحة التراث العالمي
لدمشق القديمة مديرية خاصة بها تابعة لمحافظة دمشق، وهي بمثابة البلدية، وحدود صلاحياتها هي المنطقة الواقعة ضمن سور دمشق، والممتدة من قلعة دمشق وسوق الحميدية غرباً وحتى باب شرقي شرقاً. وهذه المنطقة مدرجة في لائحة التراث العالمي منذ العام 1979، التي تصدرها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو”.
وتعاني دمشق القديمة بالفعل من تدهور الخدمات، وتأخر في ترميم وتأهيل الأبنية القديمة ما يعرض سلامتها الإنشائية للخطر. بعض الأبنية القديمة آيلة للانهيار، ولا تتلقى الترميم المناسب بسبب تعقيدات إصدار رخص الترميم ورخص الترميم (اسمها الرسمي رخصة التدعيم وإعادة البناء الجزئي). ولأن المنطقة أثرية، فأحياناً تتقاطع فيها صلاحيات وزارة الثقافة ووزارة الأوقاف مع صلاحيات محافظة دمشق، بخصوص ملكية بعض العقارات. في المنطقة عقارات كثيرة تشهد خلافات قضائية بين أجيال من الورثة على الإرث والتركات القديمة، وكذلك خلافات بين مستأجرين ومؤجرين وفق عقود الإيجار القديمة السكنية والفروغ التجارية الخاضعة للتمديد الحكمي، وكذلك بسبب التداخل مع العقارات الوقفية. وقد تسببت تلك التعقيدات في وضع إشارات مانعة من التصرف على كثير من عقارات تلك المنطقة القديمة، ما يحول دون الحصول على رخص الترميم.
منذ العام 1993 ولجنة التراث العالمي تُصدر تقاريرَ تُفنّد المخاطر على النسيج العمراني والاجتماعي لمدينة دمشق القديمة، ومنها أعمال ترميم وتأهيل غير متوافقة مع شروط التصنيف على لائحة التراث العالمي، أو تغيير في وظائف بعض الأسواق. إذ حاولت محافظة دمشق أكثر من مرة تحويل شوارع المدينة القديمة الرئيسية، إلى محاور سياحية وتجارية، والضغط لإفراغ المنطقة من الورشات الحرفية الصغيرة والصناعات التقليدية. في العام 2018 حذرت اللجنة من عملية بناء حديثة في حارة الزيتون قد تؤثر على النسيج الاجتماعي والتاريخي للمدينة.
آخر تقرير صادر عن لجنة التراث العالمي، في العام 2023، أشار إلى تأثر المدينة القديمة بالحرائق، وغياب إعادة التأهيل بعدها. التقرير أشار إلى أعمال ترميم حالية يمولها صندوق التراث العالمي، في المدينة القديمة، وأشار إلى توقيع اتفاقية تعاون بين لجنة التراث العالمي وبين جامعة دمشق، لإجراء دراسات في المدينة القديمة، وإطلاق مسابقة للتصميم الحضري في ميدان باب توما. كما سرد التقرير بعض أعمال إعادة التأهيل التي تنفذها منظمات غير حكومية في المدينة القديمة، ومنها خدمة التمويل الأصغر التي أطلقتها مؤسسة الأغا خان لمنح قروض لترميم المساكن في المدينة القديمة.
في تلك التقارير لم يُذكر مصطلح التعافي المبكر بشكل صريح. وأقرب ما عثرنا عليه إلى مشروع “التخطيط التشاركي للتعافي المبكر لمدينة دمشق القديمة”، هو إطلاق اليونيسكو مشروعاً في نوفمبر 2022، مدته 3 سنوات، للتحول الرقمي لمدينة دمشق القديمة، بهدف تحويلها إلى مدينة مستدامة تأخذ في الاعتبار متطلبات السكان، وتعزز الديناميكية الاقتصادية والسياحية والثقافية والبيئية في المدينة. المرحلة الأولى من هذا المشروع تتضمن إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للمدينة باستخدام تكنولوجيا متطورة.
التخطيط التشاركي للتعافي المبكر لمدينة دمشق القديمة
مديرة مديرية مدينة دمشق القديمة في محافظة دمشق تميمة عبود، قالت لصحيفة البعث الرسمية في 14 تشرين الثاني 2023، أن المديرية تتابع تنفيذ خطة عمل مرحلية، لإزالة الخطر عن المدينة القديمة، لتبقى على لائحة التراث العالمي. وأضافت أن المديرية تعمل على تحويل المدينة القديمة إلى “مدينة رقمية مستدامة” عبر مشاريع التحول الرقمي والإدارة الذكية. عبود أضافت بأن مركزاً للدعم المجتمعي سيفتتح في مقر مديرية مدينة دمشق القديمة “مكتب عنبر”، من دون أن تحدد تاريخاً لذلك، وسيقوم المركز بتقديم مشاريع تنموية حيوية بالتنسيق مع المجتمع الأهلي والمحلي وبتمويل UNDP.
وبحسب ما قاله مكتب الأمم المتحدة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، لسيريا ريبورت، فأن السيدة عبود كانت تشير إلى الأنشطة العامة للمديرية وليس إلى مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق القديمة. وأن “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لا يشارك في دعم مبادرة التحول الرقمي أو الإدارة الذكية للمدينة القديمة”.
الملفت هنا، غياب أي دور لمنظمة UNESCO في مشروع التعافي المبكر المقترح، رغم أنها صاحبة الاختصاص والمعرفة في هذه المنطقة التي لم تشهد فعلياً أي نزاع مسلح أو كارثة طبيعية.
وقال مكتب الأمم المتحدة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، لسيريا ريبورت: “يخطط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم إنشاء مراكز مجتمعية بموجب القانون 107 لتعزيز المشاركة المدنية النشطة وخاصة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة على مستوى المجتمع”.
وأوضحت مديرة مديرية دمشق القديمة تميمة عبود، أن مشروع التعافي المبكر الموقع مع UNDP، يتألف من أربعة مكونات: الأول تأسيسي تمكيني يتضمن تجهيز وحدة التحول الرقمي والتجهيزات الحاسوبية واللجان المعنية بالدراسة وعمليات الرفع الطبوغرافي والتصوير الجوي. أما المكون الثاني، فهو تخطيطي حضري عمراني، والثالث يتعلق بالإدارة الحضرية الذكية، والرابع يضم مشاريع تنفيذية ذكية للبنى التحتية والخدمات. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قال لسيريا ريبورت أن السيدة عبود كانت “تصف الأنشطة الشاملة للمديرية بدلاً من شرح تفاصيل مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق القديمة”.
بعض المكونات من هذا المشروع المدعوم من UNDP، تتقاطع في بعض وجوهها مع مشروع UNESCO للتحول الرقمي في مدينة دمشق القديمة الموقع مع محافظة دمشق في نوفمبر 2022.
وبحسب معلومات حصلت عليها سيريا ريبورت، فإن المكون الأول من المشروع هو الأبسط والأسهل، ويحتاج فعلياً لتجهيز مقر، بما يتضمن كومبيوترات وكاميرات وطابعات وطائرات بلا طيار، وربطاً جيدة بشبكتي الكهرباء والانترنت. المكونان الثالث والرابع يستهدفان فعلياً رقمنة عدادات المياه والكهرباء، لتحسين الجباية وزيادة مداخيل المحافظة. في الوقت ذاته تواصل المحافظة بحسب مصادر داخلية تحدثت لسيريا ريبورت، ومن دون مبرر، تأجيل تنفيذ شبكات الإطفاء والانذار المبكر عن الحريق، خاصة بعد تكرار الحرائق التي طالت مواقع أثرية مهمة مثل أسواق ساروجة والعصرونية.
أما المكون الثاني الخاص بالتخطيط الحضري، فأمامه تحديات كبيرة أبرزها عدم وجود تفريق واضح بينه وبين التخطيط والتنظيم العمراني. وبالتالي، فهناك إمكانية لفرض أي من قوانين التنظيم الإشكالية التي صدرت بعد العام 2011، ومنها المرسوم رقم 66 لعام 2011، وقانون رقم 23 لعام 2015، القانون رقم 10 لعام 2018، ومخاطرها المحتملة على الملكيات الخاصة في المدينة القديمة. ويشكك بعض أصحاب تلك العقارات، بحسب مصادر سيريا ريبورت، بأن إعادة التخطيط الحضري ستزيد القيود على حقوقهم بالتصرف في عقاراتهم عبر لحظها على المخططات التنظيمية، وربما استملاكها لاحقاً. أحد المطلعين على الملف، قال لمراسل سيريا ريبورت، أن ما يزيد الوضع تعقيداً، هو وجود أوقاف مسيحية وإسلامية، وملكيات قديمة لليهود السوريين المهاجرين.
عفي تصريح لسيريا ريبورت، قال مكتب الأمم المتحدة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، إن “مقاربتهم تعتمد على تحليل شامل للسياق، عبر النظر في جميع القضايا ذات الصلة المتعلقة بحقوق المجتمعات”.
