رئيس الوزراء السوري الجديد بوصفه باحثاً ومطوراً عقارياً
لطالما ارتبط اسم محمد غازي الجلالي، قبل تعيينه مؤخراً رئيساً للوزراء، بصفته خبيراً عقارياً واقتصادياً. خلال تلك السنوات قدم الجلالي كثيراً من الطروحات لمعالجة القضايا العقارية، والانتقادات للأداء الحكومي في مقاربة ملفات كثيرة كالسكن الاجتماعي وسوق البيوع العقارية والإيجارات.
السياسي ورجل الأعمال
الجلالي من مواليد دمشق في العام 1969 لعائلة نازحة من الجولان. حصل الجلالي على الدكتوراه في الاقتصاد الهندسي من جامعة عين شمس بالقاهرة في العام 2000 وإجازة في الهندسة المدنية من جامعة دمشق في العام 1992. الجلالي هو رئيس الجامعة السورية الخاصة Syrian Private University منذ أيلول 2023، التي يعد إيهاب مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، المساهم الرئيسي فيها. وكان أيضاً رئيس مجلس أمناء شركة الاستشارات “صناع الجودة العربية” ومقرها دمشق، منذ عام 2019 وحتى تعيينه كرئيس للوزراء.
الجلالي استلم حقيبة وزارة الاتصالات والتقانة بين العامين 2014-2016، وأدرج اسمه لذلك في لائحة عقوبات الاتحاد الأوروبي. قبلها شغل الجلالي منصب معاون الوزير بين العامين 2008-2014.
الملفت أن الجلالي، اختار في تشكيلته الحكومية الجديدة، حمزة علي، وزيراً لوزارة الإسكان والأشغال العامة، وهي أبرز وزارة ناشطة في مجال الإنشاءات العقارية والإشراف على قطاع السكن الاجتماعي والتعاوني. علي، من مدينة حمص، ونائب عميد كلية الهندسة المدنية للشؤون العلمية بجامعة البعث في مدينة حمص، ولم يشغل قبل هذا أي منصب حكومي.
الجلالي هو أيضاً رجل أعمال. في العام 2018 ساهم الجلالي في تأسيس شركة الديار الدمشقية Damascene Deyar L.L.C، المختصة بالأعمال الهندسية والاستشارات والتدقيق والاشراف وتقديم الخبرة والمشورة، لكافة جهات القطاع العام والخاص والمشترك، ضمن المجالات الهندسية المختلفة، والقيام بالاختبارات والتجارب الهندسية، ودراسات الجدوى الاقتصادية، بحسب ما ورد في قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك رقم 2395 لعام 2018 بالتصديق على النظام الداخلي للشركة. رأسمال الشركة بلغ 5 ملايين ليرة (حوالي 7,700 دولار بحسب سعر الصرف يومها)، للجلالي نسبة 15% منها، ونفس النسبة للشريك عبدالسلام عبدالكريم زيدان، و70% للشريك الثالث أحمد محمود كوكش. ويجب الإشارة هنا إلى أن رأسمال الشركة لا يعكس ملاءتها المالية، بل هو الحد الأدنى اللازم لاستكمال ترخيص الشركة. ولا يتوفر في صفحة الشركة في فيسبوك، الحديث عن أي استثمارات، وهناك إشارة وحيدة إلى قيامها بدورات تدريبية ذات طابع هندسي.
في العام 2018، عقدت شركة داماك الاماراتية اجتماعاً مع شركة دياري الدمشقية بحضور الجلالي، بالإضافة إلى شركة تلسا، وسط حديث عن مشاريع إعادة إعمار مرتقبة. ولا يبدو أن الاجتماع قد أسفر عن أي استثمار فعلي، أو إطلاق أي مشروع على أرض الواقع. شركة داماك للتطوير العقاري، يرأس مجلس إدارتها الإماراتي حسين سجواني، ومقرها الرئيسي في دبي، ولها مشاريع عقارية في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي والمشرق العربي والشرق الأوسط. وتلسا، هي مجموعة شركات سورية تعمل في قطاعات الاتصالات والعقارات والمقاولات، ويرأس مجلس إدارتها محمد برهان الدين الامام.
الخبير العقاري
وبحسب ما نشرته صحيفة الوطن شبه الرسمية، في 15 أيلول 2024، يبدو أن رئيس الوزراء الجديد مهتم بالتركيز على التنظيم العمراني، بحيث يتم إلغاء الفروقات بين المناطق، وإيجاد مشاريع تمويلية بعيدة المدى. الجلالي يرغب بأن تعود المؤسسة العامة للإسكان لتقديم تسهيلات مشابهة لما كان يحصل سابقاً حين كان بإمكان المواطن شراء منزل، يدفع 10% من سعره، ويُقسّط الباقي. الجلالي اعتبر أن القطاع العام لا بد أن يشارك في التطوير العقاري لتحقيق استقرار في السوق العقارية، وتأمين احتياجات السكن، بكلف وأسعار مدروسة مع هوامش ربح مقبولة وعدم ترك مساحة واسعة للمضاربة والتحكم في السوق من التجار والمقاولين. إذ يرى الجلالي بأن دور الدولة التنموي رئيسي، ولا بد للحكومة من التدخل لفرض قواعد تنظم السوق العقارية، كالحد من استملاك أكثر من عقار، وإمكانية ممارسة الدور التوجيهي لرؤوس الأموال.
لطالما تحدث الجلالي إلى وسائل الإعلام الرسمية، حول القضايا العقارية الملحة، وأبرزها سوق البيوع العقارية، وأسعار العقارات. ولا تخلو تعليقات الجلالي من تناقضات. مثلاً، في أكثر من حديث له، قال بأن سوق العقارات السورية تشهد ارتفاعات غير منطقية وغير مبررة في الأسعار، خاصة في العاصمة دمشق، بحيث أصبحت مماثلة لأسعار العقارات في العواصم الغربية كروما باريس، كما ذكر في أحد تصريحاته لصحيفة الوطن شبه الرسمية مطلع العام 2022.
الجلالي يعتبر بأن الكلف غير الحقيقية للعقارات، مثل العمولات وأجور المحامين وكلف الدراسات الهندسية والإشراف وغيرها تسهم في رفع أسعار العقارات بنحو 30% في السوق المحلية. وأن المضاربة الواسعة في السوق، بهدف تحقيق أرباح عالية مع تراجع فرص الاستثمار في معظم القطاعات الأخرى، تخلق حالة طلب غير حقيقية على العقار ما يسهم في رفع أسعار العقارات.
ومن العوامل التي تساهم في تراجع النشاط العقاري، بحسب الجلالي، أن الكثير من متعهدي البناء لا يتمكنون بسبب التضخم وتغير سعر الصرف، من تحديد الأسعار النهائية لمنتجاتهم، ما يدفعهم لرفع أسعار المساكن بشكل احترازي، بينما يعاني المشترون من صعوبات كبيرة على صعيد توفر السيولة المالية وسط خفض سقف السحوبات اليومية من المصارف.
في أحاديث أخرى، اعتبر الجلالي أسعار العقارات في سوريا عادلة ومنصفة، وأقل من أسعارها بالقيمة الدولارية لما قبل العام 2011، كما قال لصحيفة الوطن في أيار 2024. إذ يعتبر الجلالي أن أسعار العقارات قد ارتفعت بين العامين 2011-2024 نحو 300 ضعف بالليرة السورية، وهذا أقل من ارتفاع متوسط أسعار بقية السلع التي ارتفعت بحدود ألف ضعف. ويضيف الجلالي أن أسعار العقارات ترتبط أيضاً بارتفاع أسعار مواد البناء، والتكاليف الانشائية، وتكاليف حوامل الطاقة، إلى الحد الذي باتت فيه أسعار العقارات أقل من كلفتها الفعلية.
الجلالي قال في المقال ذاته، أنه رغم هذه “العدالة السعرية” لأسعار العقارات، فهذا لا يعني أن المواطن قادر على امتلاك مسكن خاص حتى في العشوائيات، بسبب الفجوة الكبيرة بين الأسعار والأجور. ويوضح بأن إذا كان امتلاك المسكن قبل العام 2011 حلماً، فقد بات اليوم خيالاً. في المقابل، لم يقدم الجلالي أي حلّ لمشكلة السكن في سوريا، وسط إقراره باستحالة ضبط الدولة للأسعار لأنها عاجزة عن بناء ما يكفي من المساكن، وهذا ما لا يجعلها المتحكم في السعر، كما هي عاجزة عن فرض التسعير القسري للعقارات لأن ذلك يخلق سوقاً سوداء نشطة، كما في حديثه لصحيفة الوطن شبه الرسمية، في تموز 2019.
ولكن، في آذار 2021 صدر قانون البيوع العقارية، رقم 15 لعام 2021 الذي يحدد ضريبة البيوع العقارية بموجب القيمة الرائجة للعقارات، ما اعتبر بمثابة تدخل رسمي لتحديد أسعار العقارات. الجلالي كان قد روّج لقانون البيوع العقاري قبل صدوره، مؤكداً عدم وجود تأثير له على أسعار العقارات، وإنما يستهدف الحدّ من التهرب الضريبي. في العام 2022 عاد الجلالي وانتقد القانون ضمنياً بالاعتراف بتسببه جزئياً بجمود سوق العقارات. لكنه، ظل يعتبر أن جمود سوق العقارات وتضخمها يرتبط أكثر بالقيود التي تحد من حركة السيولة المالية في المصارف، عند حدوث البيوع العقارية.
ورغم إطلالاته المتكررة على الإعلام، تجنّب الجلالي الحديث عن قضية العشوائيات التي تمثل حوالي 30-40% من المساكن في سوريا. وغالباً اكتفى ببعض التوصيف العام للظاهرة، واعتبارها أمراً طبيعياً في البلدان النامية، وأن آلية الحل هي توفير المساكن بأسعار مناسبة، بالاستناد إلى التنظيم العمراني والتمويل العقاري. الجلالي دعا مراراً إلى منح المطورين العقاريين فرصة لتعديل واقتراح المخططات التنظيمية، بما يخدم خططهم التسويقية.
طروحات الجلالي العقارية لم تتطرق إلى تداعيات الحرب والدمار على القطاع السكني والانشائي، وكذلك تأثير السياسات الحكومية في الحدّ من عودة النازحين إلى مناطقهم، وقرارات منع ترميم المساكن المتضررة، والموافقات الأمنية على العمليات العقارية.

