هل يصبح سهل الغاب منطقة زراعية خاصة؟
ناقشت بعض المقالات المنشورة في الصحافة الرسمية مؤخراً، إمكانية تحويل سهل الغاب غربي حماة إلى منطقة زراعية خاصة. وليس واضحاً ما هو المقصود بالمنطقة الزراعية الخاصة، ولم تتطرق القوانين الناظمة للقطاع الزراعي لهذا المفهوم من قبل. بعض المقالات قالت إن المنطقة الزراعية الخاصة شبيهة بالمناطق الصناعية والمعابر الحدودية، بحيث تخضع لإدارة مستقلة، وتعمل على تطوير البنية التحتية للأرضي الزراعية بما يدعم الزراعة والصناعات الزراعية لمنتجاته.
الملفت أن هناك للتو الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، وهي هيئة ذات طابع إداري وخدمي مقرها الرئيسي في مدينة السقيلبية بريف حماة، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وترتبط بوزير الزراعة والإصلاح الزراعي. وقد أنشئت تلك الهيئة بموجب القانون رقم 20 لعام 2005، لتحل محل المؤسسة العامة لإدارة وتنظيم استثمار الغاب، ومديرية الزراعة والإصلاح الزراعي. ولكن الهيئة تعاني من صعوبات تمويلية تحد من فعاليتها، ويكاد يقتصر دورها اليوم على الجانب الإرشادي الزراعي، وتقديم اللقاحات للحيوانات، واتخاذ إجراءات للحد من الحرائق في موسم الحصاد، وفتح بعض قنوات الري وإعادة تأهيلها بتمويل ومساعدة منظمات دولية.
ويقع سهل الغاب شمال غرب سوريا، بين سلسلة جبال الساحل غرباً وجبل شحشبو وجبل الزاوية شرقاً. وكان السهل يضمّ الكثير من المستنقعات المائية على أطراف نهر العاصي، قبل أن يتم تجفيفها في الخمسينيات، وتحويلها إلى أراض زراعية مروية. والسهل عبارة عن سهل منبسط خصب، يمتد بين محافظات حماة، وإدلب واللاذقية، ويبلغ طوله 80 كيلومتراً وعرضه 10-13 كيلومتراً. وتتفرع عن نهر العاصي المار فيه شبكات مياه ري، ما يجعله غنياً بالمسطحات المائية.
موظف سابق في دائرة الإحصاء لدى الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، قال لمراسل سيريا ريبورت، إن السهل تعرض لإهمال كبير قبل العام 2011، ما تسبب بتراجع المساحات المروية فيه، ودفع كثيراً من الفلاحين فيه للتركيز على الزراعات البعلية. في حين أن مدير الهندسة والشؤون الفنية في الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب مصطفى المحمد، قال لصحيفة البعث الرسمية في 30 يناير 2024، إن كميات كبيرة من ماء الري يتم هدرها في السهل سنوياً، وتصريفها عبر قنوات الري إلى مجرى نهر العاصي ومنه إلى الأراضي التركية. وأضاف: “نحن لا نستثمر ولا نقطة ماء ومنذ الخمسينيات، لا يوجد أي مشروع متكامل لإرواء سهل الغاب”.
الأراضي الزراعية والتجمعات السكنية في سهل الغاب
في سهل الغاب، تم توزيع الأراضي على الفلاحين وفقاً للقانون رقم 66 لعام 1969، المعدل لقانون الإصلاح الزراعي رقم 161. القانون 66\1969 خوّل وزارة الزراعة توزيع أراضي أملاك الدولة على الفلاحين في بعض المناطق، وحدد المساحة المروية التي تنتفع بها العائلة الواحدة بألا تتجاوز أربعة هكتارات وألا تقل عن هكتارين ونصف.
ويطلق على الفلاحين الذين انتفعوا من أراضي سهل الغاب محلياً اسم “المُرخّصين” أو “المبحوثين”، وذلك لأن لجاناً محلية “بحثت” بمعنى درست أوضاعهم، وراعت عند توزيع الأرض عليهم عدد أفراد الأسرة، ومستوى الدخل، وإن كانوا مالكين أو مستثمرين لأراضي زراعية أخرى. وظلت الدولة مالكةً لحق رقبة الأرض بينما يكون للفلاح حق الانتفاع فقط. آخر تعديل لأحكام الإصلاح الزراعي، كان عبر القانون رقم 61 لعام 2004، الذي اعتبر ملكية المنتفع ملكية تامة، تسري بأثر رجعي إلى تاريخ منح الفلاح الأرض، وتسجل باسمه في المصالح العقارية. بموجب القانون 61\2004 فقد بات لدى غالبية الفلاحين في السهل سندات ملكية رسمية من السجلات العقارية، ولم يعودوا مجرد منتفعين بها.
وتنتشر في السهل تجمعات سكنية، بلغ عدد سكانها في العام 2010 نحو 325 ألف نسمة بحسب أرقام تتداولها الصحافة الرسمية. معظم هذه القرى تشكلت من تجمعات للمزارعين الوافدين إلى السهل بعد تجفيفه، بعد تخصيصهم بأراض زراعية فيه بموجب قوانين الإصلاح الزراعي. معظم أولئك الوافدين جاؤوا من القرى على طرفي السهل. لذا يبدو السهل مقسوماً بشكل طولي من الشمال إلى الجنوب، ويسكن أراضيه الشرقية فلاحون من إدلب، بينما أراضيه الغربية يسكنها فلاحون من حماة واللاذقية.
جزء كبير من فلاحي وسكان الجزء الشرقي من السهل تعرضوا للتهجير القسري خلال مجريات الحرب، وباتوا من الغائبين المهجرين قسرياً إلى مناطق المعارضة. وأراضي أولئك تطرح بشكل دوري في المزادات العلنية التي تجريها محافظتا حماة وإدلب لاستثمار أراضي الغائبين والمهجرين قسرياً. وتسيطر قوات المعارضة حالياً على الأجزاء الشمالية من سهل الغاب، ما يجعلها دائماً عرضة للقصف من قوات النظام. ويعيق ذلك الزراعة في أوقات التصعيد العسكري المتواترة. كما تنتشر الألغام في بعض المناطق في السهل ما يجعل من عملية تصريف الماء فيها أمراً خطيراً.
كل تلك التعقيدات، تجعل من إدراج مفهوم “المنطقة الزراعية الخاصة”، كمفهوم جديد غير محدد قانونياً، لاستثمار الأراضي الزراعية في سهل الغاب، ، أمراً قد يحمل أضراراً بحقوق الفلاحين وسكان السهل، المهجرين قسرياً إلى مناطق المعارضة.
