دوافع عودة النازحين إلى مناطق النظام في إدلب وحماة
تتكرر تصريحات مسؤولي الحكومة السورية المشجعة لعودة النازحين من مناطق المعارضة شمال غربي سوريا إلى مناطق سيطرة النظام في أرياف إدلب وحماة. ولكن، لا يذكر أي مسؤول سوري أن العائدين يجب أن يخضعوا لدراسة أمنية عبر لجان المصالحة، كشرط لعودتهم، وأن طريق العودة مُكلف، وأن هناك بين العائدين من يتم اعتقاله وابتزازه مالياً.
مثلاً، ينتظر أبو برهان منذ ثلاثة شهور الحصول على موافقة أمنية على طلبه للعودة إلى بلدته في ريف إدلب الشرقي. أبو برهان، مُهجّر منذ العام 2020 ويقيم وعائلته في أحد مخيمات أطمة شمالي إدلب. ابن عمه المقيم في مناطق سيطرة النظام، أقنعه بأن يتقدم بطلب عودة إلى لجنة المصالحة. يقول أبو برهان إنه إن حصل على الموافقة الأمنية سيعود للعمل في أرضه المزروعة بالفستق الحلبي، ما يؤمن لعائلته الحد الأدنى من تكاليف المعيشة بعدما ضاقت أحوالهم المادية في مخيمات أطمة.
أبو برهان، يخشى الإدلاء بمعلومات تدل على شخصه، خوفاً من ملاحقته أمنياً في حال عودته أو رفض طلبه بالعودة أساساً. ويضيف إنه سيعود لوحده في المرحلة الأولى، تاركاً عائلته في المخيم. وبعدها، وبحسب الأوضاع في قريته؛ إما أن يعود إلى المخيم، أن تلتحق عائلته به.
ابن عم أبو برهان، أخبره بأن غلة أشجار الفستق الحلبي في أرضه السنة جيدة جداً، ولذلك قرر المجازفة بالعودة لجني الموسم. وقال أبو برهان، إنه سيعود إلى أرضه ليعتني بها ويجني محصولها. وأضاف، بأن ابن عمه، تمكن من رشوة أحد أعضاء اللجان المسؤولة على تحديد أراضي الغائبين لعرضها في المزادات العلنية للاستثمار للأقارب، طيلة السنوات الماضية. وسمح ذلك لابن عم أبو برهان، من جني محصول أرضه من الفستق الحلبي خلال السنوات الماضية. ولكن، لم يكن ذلك مجاناً. يقول أبو برهان، إن ابن عمه فاوضه دائماً على نسبة كبيرة من سعر المحصول، مستغلاً عدم وجوده. ويضيف: “أنا أحق بالموسم من ابن عمي. هنا في المخيم، ليس لدي ثمن الخبز لإطعام عائلتي”.
بالنسبة للعائدين إلى مناطق النظام، ومنهم أبو برهان، نسبة جيدة منهم مدفوعين بالرغبة بالعودة والعمل في أراضيهم وإعادة استثمارها والاستفادة من إنتاجها، وذلك أفضل من البقاء في المخيمات والمعاناة من شظف العيش. في تقرير صادر عن فريق منسقو استجابة سوريا، في 31 أيار 2024، فقد ارتفعت نسبة العائلات الواقعة تحت خط الفقر إلى 91.16% في شمال سوريا، منها 40.9% وصلت إلى حدّ الجوع. وهذه المؤشرات تفسر إقبال المُهجرين قسرياً إلى شمال إلى التفكير جدياً بالعودة إلى مناطق سيطرة النظام، رغم المخاطر المحتملة.
بحسب مراسل سيريا ريبورت، فمن يود العودة إلى مناطق النظام، يجب أن يقدم طلب عودة إلى لجنة المصالحة، عن طريق الأقارب أو المعارف، او التواصل مباشرة مع اللجنة عبر واتساب. وهناك ثلاث لجان مناطقية للمصالحة؛ في مدينة خان شيخون، في مدينة معرة النعمان، وفي أبو ظهور. ويكون تقديم الطلب عن طريق ارسال صورة الهوية الشخصية، وصور دفتر العائلة، ومن سيعود من العائلة وتبرير عدم عودة البقية. وغالباً ما يكون التبرير بأنهم خارج سوريا. بعد ذلك، تقوم لجنة أمنية من مختلف أجهزة الأمن، بدراسة الطلب. وتأتي الموافقة أو الرفض للطلبات، خلال مدة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر. ومن يُقبل طلبه، يمنح موافقة ورقية تُسهّلُ عبوره عبر حواجز قوات النظام حتى وصوله إلى مقصده.
ويقول المراسل إن الرجال الكبار في العمر هم غالباً من يتخذون قرار العودة، بينما الشباب الذكور إن عادوا إلى مناطق النظام فعليهم أن يلتحقوا مباشرة بالخدمة العسكرية، وهذا ما يمنع الكثير منهم من العودة. كما أن الجيش الوطني المعارض يمنع عودة الشباب الذكور اللذين أعمارهم بين 18-30 عاماً.
ولا طريقاً مباشر يصل بين مناطق المعارضة ومناطق النظام. ويضطر الراغبون بالعودة إلى العبور من مناطق المعارضة، إلى مناطق قوات سوريا الديموقراطية في منبج، ومنها إلى مناطق النظام في حلب. بحيث تبدأ رحلة العودة من مناطق المعارضة في إدلب وريف حلب، إلى معبر عون الدادات بين مدينة جرابلس التي يسيطر عليها الجيش الوطني المعارض المدعوم من تركيا، وبين مدينة منبج الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية. ومن معبر عون الدادات، ينتقل العائدون إلى معبر التايهة بين مناطق قسد في منبج، ومناطق سيطرة النظام في حلب.
تكلفة رحلة العودة من إدلب إلى حماة عبر هذه الطريق، تزيد عن 250 دولاراً، عدا عن الخوات التي تفرضها حواجز قوى الأمر الواقع المختلفة على الطرقات.
وعلى العائد أن يسجل بياناته لدى الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني، بحضور كفيلين يحملان بطاقات شخصية صادرة عن أحد المجلس المحلية التابعة للحكومة السورية المؤقتة، يشهدان بأنه لن ينضم لقوات النظام، وأن عودته بغرض الزراعة.
ويستطيع العائدون حمل ما يشاؤون من أمتعة وأثاث، ولكن عليهم إرسال وصف ما سيحملونه للجنة المصالحة لتسجيلها وتعميمها على حواجز قوات النظام حين العودة، وتبيان إن كانوا يعودون بسياراتهم الخاصة أو بسيارات مُستأجرة. ويشترط أن تكون تلك السيارات مُسجّلة لدى مديريات النقل في مناطق سيطرة النظام.
بعد العودة بحوالي 10 أيام، يُبلّغُ العائد عبر مندوب الفرع الأمني المختص بالمنطقة، بمراجعة فرع أمن محدد، للتحقيق الأمني. في أحيان متعددة، سجلت مضايقات وتهديدات للعائدين في الفروع الأمنية، بغرض ابتزازهم مالياً. أحد العائدين إلى مدينة خان شيخون، مطلع العام الحالي، قال إنه اضطر لدفع نحو 20 ألف دولار أميركي لضباط الفرع، حتى يطلقوا سراحه. وأكد العائد أنه لم توجه له أية تهمة، ولم يعرض على القضاء، ولم يخرج إلا بعد أن تمكن من تأمين المبلغ كاملاً عبر أقربائه. ويُعتبرُ ذلك بمثابة الخطف مقابل الفدية، كما يقول المراسل الذي أكد أن الأمر يتكرر مع العائدين ممن يعرف ضباط الأمن بأنهم مقتدرون مالياً.
