هدم مساكن قديمة في داريا لإنشاء حديقة
في صيف العام 2018 نشر الرئيس السابق لبلدية داريا بريف دمشق مروان عبيد، في حسابه الشخصي في فيسبوك، خبراً عن البدء بإنشاء حديقة على مساحة دونمين (0,2 هكتار) محل منطقة كانت تضم مساكن قديمة. بعدها، قامت ورشات من البلدية بتجريف ما تبقى من تلك المنازل وإزالة أنقاضها. ومنذ ذلك الوقت، لم يتغير شيء في الموقع، ولم يتم التعويض على أي من أصحاب الأملاك السابقين.
المنطقة كانت تعرف باسم مثلث شريدي، وفيها مساكن عربية قديمة كبيرة مبنية من الطوب ومسقوفة بالخشب، عمرها يزيد على 70 عاماً. وفي المثلث ستة منازل لأربع عائلات من المدينة؛ الحلاق، أبو بكر، كوشك وفتة. كما كانت تحيط بالمنازل أكثر من 10 محلات مطلة على الشوارع المحاذية، وجميع تلك المساكن والمحال متهالكة، وغير مرممة أو مدعمة، جدرانها سميكة، مبنية على الطراز القديم.
وقد تم استملاك تلك العقارات في سبعينات القرن الماضي بغرض انشاء حديقة عامة. وواجه السكان قرار الاستملاك بالاستعصاء في منازلهم ورفض اخلائها، وعدم قبول تعويض الاستملاك. وحتى العام 2011، لم يتغير وضع تلك المساكن، ولم ينفذ قرار الاستملاك. وفعلياً، بقيت المساكن العربية قائمة لكن سلامتها الإنشائية كانت تتدهور مع عدم قدرة أصحابها على استخراج رخص ترميم لها بسبب قرار استملاكها. كما لم يتمكن أصحابها من التصرف بها، وإجراء أي معاملة عقارية عليها. الأمر الوحيد الذي قاموا به كان تأجير بعض الغرف المطلة على الشوارع الرئيسية كمحلات تجارية.
مدينة داريا شهدت حراكاً سلمياً معارضاً للنظام منذ بداية ثورة العام 2011. وبسبب قربها من دمشق ومطار المزة العسكري، تعرضت داريا لحصار شديد فرضته قوات النظام، ما بين العامين 2012-2016، انتهى بتهجير كامل سكانها قسرياً بعدما سويت أحياء كاملة من المدينة بالأرض بسبب القصف الجوي لقوات النظام.
الملفت أن مثلث شريدي لم يتعرض لأضرار كبيرة خلال فترة الحرب. مراسل سيريا ريبورت نقل عن مصادر أهلية تأكيدها بأن المثلث ظل سليماً نسبياً حتى فرض التهجير القسري على السكان. وأشارت المصادر إلى أن المنطقة تعرضت لهدم وتجريف من قبل قوات النظام المسيطرة على المدينة خلال الفترة الممتدة بين 2016-2018. وتؤكد المصادر أن منطقة المثلث كانت مدمرة عندما سمحت قوات النظام بأول زيارة للمدينة في العام 2018.
في العام 2018 ناقشت مديرية التخطيط العمراني في وزارة الأشغال العامة والإسكان أربعة مخططات عمرانية مقترحة ضمن المصور التنظيمي لمدينة داريا. وفي العام نفسه، أعلن المكتب التنفيذي في محافظة ريف دمشق، أن المخطط التنظيمي لمدينة داريا بات جاهزاً. في الحالتين، لم يطرأ أي تغيير على منطقة مثلث شريدي، التي بقيت ملحوظة كحديقة عامة.
وكانت محافظة ريف دمشق قد سمحت في آب 2018، لسكان المدينة بالعودة، بشرط تقديم وثائق تتضمن إثبات ملكية عقار ضمن المدينة، والحصول على موافقة أمنية مسبقة. العودة الجزئية بدأت فعلياً منتصف العام 2019. ومنذ ذلك الوقت، يواصل المكتب التنفيذي في المدينة، إزالة بعض الأبنية التي يقول إنها آيلة للسقوط، أو غير صالحة للسكن، أو أن أنها تمثّل خطراً على المارة وسكان الجوار.
أبو محمد، أحد أصحاب المنازل في منطقة المثلث، قال لمراسل سيريا ريبورت، إنه كان يملك داراً عربية واسعة مكونة من 5 غرف طينية وفناء واسع، ومحلات تجارية مطلة على الشارع. وأضاف أنه حاول قبل العام 2011 رفع قرار الاستملاك عن منزله، لكنه خسر الدعوى التي رفعها. في شتاء العام 2013 استولت قوة عسكرية تابعة للنظام على منطقة مثلث شريدي، في إطار توغلها البري في داريا، وأقامت فيها نقاطاً عسكرية. ويضيف أبو محمد، أنه ظل مع ذلك في منزله، وأكد أن منطقة المثلث لم تتعرض لأضرار كبيرة، ولم تشهد معارك تذكر، ولم تتعرض للقصف. في صيف العام 2016، نزح أبو محمد وعائلته، بعد التهجير القسري لكل سكان داريا، وترك خلفه داره العربية سليمة. وفقط في العام 2019، عرف أبو محمد أن داره العربية، وكامل المساكن في منطقة المثلث قد تم تجريفها أثناء غياب سكانه.
أبو محمود، صاحب محل تجاري تابع لمسكن عربي طيني في مثلث شريدي، قال لمراسل سيريا ريبورت إن محله القديم انهار في العام 2012، بسبب عدم صيانته ومتأثرا بالارتجاج الناتج عن القصف غير المباشر الذي استهدف مناطق متاخمة. أبو محمود اضطر لنقل محتويات محله إلى غرفة مجاورة غير متضررة. في نهاية العام 2012، نزح أبو محمود عن داريا، ولم يعد إليها إلا في العام 2019، ليجد الغرفة المجاورة مُجرّفة أيضاً ولم يعثر على أي من محتويات محله السابق.
جميع من التقاهم مراسل سيريا ريبورت، من أصحاب المساكن والمحال في منطقة مثلث شريدي، كانوا قد أشاروا إلى أنهم لم يستلموا قبل العام 2011 تعويضات استملاك عقاراتهم، كنوع من رفض استملاكها. واليوم، بعد عودة بعضهم، واكتشافهم تجريف كامل المنطقة، لم يتلق أي منهم تعويضاً، ولا حتى أي إبلاغ بتنفيذ الاستملاك، أو إشعار بضرورة مراجعتهم لأي هيئة رسمية. هكذا، وكأن لم يكن لهم يوماً أملاك في المنطقة، وكأن الحديقة أهم من منازلهم.



