مفتاح: الحجز على أملاك المحكومين غيابياً
أصدرت محكمة الجنايات الثانية بدمشق في 11 أكتوبر 2023، حكماً على الفلسطيني السوري أسامة أحمد مجدلاوي، في جناية حيازة المواد المخدرة بقصد التعاطي، بمعاقبته بالاعتقال لمدة ثلاث سنوات وتغريمه بنصف مليون ليرة، وتجريده مدنياً، وإعمال أحكام المادتين 328-329 أصول جزائية بحقه. ونظراً لأنه ما زال فاراً، فقد قررت المحكمة حجز أمواله وأملاكه.
مجدلاوي ليس أول من يحاكم غيابياً ويصدر بحقه قرار بحجز أمواله وأملاكه، بل هو واحد من آلاف تنشر الجريدة الرسمية خلاصة أحكام بحقهم، بوصفهم فارين من العدالة. الملفت في قضية مجدلاوي، أنه ليس محكوماً بتهمة “الإرهاب” ولا حيازة بضائع مهربة بقصد الاتجار، ولا حيازة مواد مخدرة بتهمة الاتجار، وهي التهم الأبرز المتكررة. بل أن تهمة ملكاوي، هي حيازة مواد مخدرة بقصد التعاطي. الغرابة هنا هو عدد ونوع القضايا الجنائية التي يستوجب الحكم الغيابي فيها، الحجز على الأملاك. إذ يتيح القانون السوري، عملاً بأحكام المادة 329 حجز أملاك المحكوم غيابياً في أي تهمة ذات وصف جنائي.
والجناية هي كل جريمة خطيرة يمنحها قانون العقوبات هذا الوصف ويفرض لها عقوبة السجن ثلاث سنوات كحد أدنى. المادة 328 من قانون الجنايات تنص على أن الحكم على المتهم الفار، يوجب اخضاع أمواله للأصول المتبعة في إدارة أملاك الغائب، ولا تسلم إليه أو إلى مستحقيها كأبنائه، إلا بعد سقوط الحكم الغيابي. بينما المادة 329 تتعلق بإجراءات نشر خلاصة الحكم وتبليغ السجل العقاري والهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة.
ولا يُجيزُ القانون السوري حضور محامي عن المتهم الغائب، سواء كان الجرم جناية أو جنحة، بل يجب أن يمثل المدعى عليه أو المتهم شخصياً أمام المحكمة ويحضر كافة الجلسات حتى صدور الحكم وحينها يمكن للمحامي أن يحضر معه لتمثيله. ويعتبر المتهم فاراً من وجه العدالة، ويحاكم غيابياً ويصدر حكم غيابي بحقه، في إحدى الحالات التالية؛ أولاً، إذا تعذر القبض عليه بعد إصدار قاضي الإحالة قرار بتحويله إلى محكمة الجنايات لمحاكمته غيابياً. قاضي الإحالة هو المرجعية الأعلى لقاضي التحقيق، وتُحال إليه القضايا التي ينتهي منها قاضي التحقيق لاتخاذ القرار، إما بمنع المحاكمة أو إصدار قرار الاتهام وإحالة المتهم إلى محكمة الجنايات. ثانياً، إذا كان المتهم يحاكم موقوفاً أمام محكمة الجنايات، لكنه تمكن من الهرب قبل صدور الحكم بحقه. ثالثاً، إذا تم إخلاء سبيله من قبل محكمة الجنايات، لكنه امتنع عن حضور الجلسات التالية.
في الحالات السابقة تتخذ محكمة الجنايات إجراءات بحق الفار كوسيلة للضغط عليه لتسليم نفسه. ومن ذلك، تجريده من الحقوق المدنية ومنها التصويت أو الترشح للانتخابات، التصرفات العقارية، تسجيل الوقوعات المدنية، والحصول على وثائق شخصية. وكذلك، تقوم المحكمة بمنعه من التصرف بأملاكه، عبر إرسال النائب العام كتاباً إلى السجل العقاري لوضع إشارة الحجز الاحتياطي على عقاراته.
وبعد انتهاء المحاكمة وصدور حكم غيابي بالعقوبة المقررة للجناية المرتكبة، تبقى أموال المتهم وأملاكه محجوزة، طالما بقي هارباً. حجز تلك الأموال والأملاك احتياطياً، لا يعني أن ملكيتها تؤول للدولة أو مصادرتها مباشرة. بل تقوم المحكمة الشرعية بتعيين وصيّ لإدارة أموال وأملاك المحكوم عليه، من دون حق التصرف بها بالبيع. إذ تندرج إدارة أموال الغائب ضمن ولاية القاضي الشرعي بمقتضى قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953، وذلك ليس من صلاحية محكمة الجنايات المختصة بالملاحقة على الجرائم الجنائية.
ويمكن للمحكوم عليه استرداد تلك الأموال والأموال، إذ ما سقط الحكم الغيابي. ويسقط الحكم الغيابي، فقط بعد صدور حكم ببراءة المتهم، بعد إعادة محاكمته حضورياً، بعد القبض عليه أو تسليم نفسه. وعند ذلك، تعتبر كافة الإجراءات القضائية التي صدرت بحقه غيابياً لاغية، ومنها الحجز على ممتلكاته، ويتم ردها إليه من قبل الوصي.
لكن إذا ظل المحكوم عليه غيابياً، فاراً، فلا تبقى أمواله وأملاكه محجوزة إلى ما لا نهاية. في هذه الحالة يسقط الحكم بعد نهاية مدة التقادم، المحددة وفقاً للمادة 162 من قانون العقوبات رقم 148 لعام 1949.
مدة التقادم هي 25 عاماً في جرائم القتل العمد أو تهريب المخدرات، والتي عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد. بينما مدة التقادم في الجنايات “الشديدة” التي عقوبتها السجن المؤقت، تكون ضعف مدة العقوبة، على ألا تقل عن 10 سنوات ولا تزيد عن 20 سنة. مثلاً، لو صدر حكم غيابي بالسجن المؤقت 7 سنوات، تكون مدة التقادم 14 سنة.
بينما مدة التقادم في القضايا الجنائية “الخفيفة”، تكون دوماً 10 سنوات. مثلاً، لو حكمت محكمة الجنايات غيابياً على المتهم الفار بالسجن 3 سنوات، في جناية حيازة المخدرات بقصد التعاطي، بالاستناد إلى المادة 43 من قانون المخدرات رقم 2 لعام 1993، تكون مدة التقادم في هذه الحالة 10 سنوات.
يبدأ حساب مدة التقادم اعتباراً من تاريخ صدور الحكم، ولكن يمكن أن ينقطع التقادم إذا تم القبض على المحكوم عليه، أو قيام المحكمة بأي إجراء قضائي في مواجهة المحكوم عليه كتفتيش منزله أو إصدار مذكرة قضائية للقبض عليه. وعند ذلك ينقطع التقادم، وتعود مدة التقادم للسريان من البداية.
إذا اكتملت مدة التقادم يسقط الحكم الجنائي، ولا تنفذ العقوبة بحق المتهم، ولا يجوز إعادة المحاكمة. حينها، يحق للمحكوم عليه أن يطلب من المحكمة إلغاء الحجز الاحتياطي على عقاراته في السجل العقاري، وإعادة أمواله المحجوزة، ورفع يد الوصي، الذي بدوره يجب أن يقدم حساباً عن إدارته لأموال وأملاك المحكوم.
من جانب آخر، لا تأثير لحجز أملاك المحكوم عليه غيابياً على حقوق الغير. وإذا ما صدر حكم بالحجز على أموال وأملاك المتهم، ومن ضمنها عقار موروث له فيه حصة مع الغير، يمكن حينها للمحكمة فرض الحجز الاحتياطي فقط على ما سيؤول إليه إرثاً بموجب وثيقة حصر الإرث. ويمكن لأحد الورثة أن يرفع دعوى إزالة شيوع أمام محكمة الصلح المدني في منطقتهم، في مواجهة بقية الورثة، وبينهم الوصي المُمثل للمحكوم عليه غيابياً. ثم يستلم الوصي حصة المحكوم عليه، ويقوم بأعمال الإدارة.
