تحوّيل بعض الأملاك الخاصة إلى مكبات للأنقاض في داريا
خلال الأشهر القليلة الماضية، تتواصل عملية ترحيل الأنقاض وتجميعها في مواقع محددة ضمن مدينة داريا في ريف دمشق. بعض هذه المواقع كانت تضم أبنية سكنية، قبل أن تُهدم خلال الأعمال القتالية في المنطقة 2012-2016، وبعضها الآخر كان عبارة عن أراض زراعية. في الحالتين لم تتم استشارة أصحاب تلك العقارات، قبل تحويلها إلى مكبات للأنقاض.
وكانت مدينة داريا بريف دمشق قد شهدت حراكاً سلمياً معارضاً للنظام منذ مطلع العام 2011، قبل أن تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة في العام 2012. وتعرضت المدينة لحصار شديد من قبل قوات النظام، وحملات قصف مكثفة انتهت في العام 2016 بتهجير كامل سكانها قسرياً، وتدمير مناطق واسعة منها. بعد ذلك، سمحت الفرقة الرابعة المسيطرة على المدينة، بعودة جزئية مشروطة بموافقة أمنية مسبقة إليها.
ومن أبرز المواقع التي تحولت إلى مكب للأنقاض هي منطقة الخليج المتاخمة لمطار المزة العسكري، التي شهدت ترحيلاً للأنقاض إليها من الأحياء المجاورة. وقد تعرضت المنطقة لدمار واسع النطاق خلال فترة الحرب في داريا. منطقة الخليج هي عشوائية تقع شمال شرقي داريا، وقد اتخذتها قوات النظام في العام 2012 خطاً دفاعياً عن مطار المزة، وفجرت جميع أبنيتها. المخطط التنظيمي للمدينة الصادر عن وزارة الأشغال العامة والإسكان، في نيسان 2018، لم يلحظ منطقة الخليج، بل ظهرت منطقة خالية من السكن في محيط المطار.
وتُظهرُ صورٌ نشرها بعض سكان داريا، في مجموعة فيسبوك مغلقة خاصة بالمدينة، وتمكن مراسل سيريا ريبورت من الاطلاع عليها، شاحنة تُفرغُ حمولتها من الأنقاض في منطقة الخليج، بينما تظهر صورة أخرى مجموعة شاحنات تبدو صغيرة الحجم بالمقارنة مع تلك الأنقاض. يقول حسين، لمراسل سيريا ريبورت في المنطقة، أنه يعرف بأن منزله في منطقة الخليج قد تعرض للتدمير بفعل العمليات القتالية، “لكن ما لا يمكنه استيعابه هو أن يفقد الأمل حتى بالوصول إلى أنقاض منزله”، وذلك بعدما باتت كامل منطقة الخليج موقعاً رئيسياً لتجميع الأنقاض.
وإن كانت منطقة الخليج برمتها قد تحولت إلى مكب للأنقاض، فإن بعض العقارات الخاصة ضمن المدينة، تحولت إلى مواقع تجميع للأنقاض، وبشكل خاص بعض الأراضي غير المبنية ضمن التجمعات السكنية. مثلاً، وداد، قالت إن عائلتها كانت تملك أرضاً زراعية غربي الجمعيات الإنشائية في المدينة بالقرب من سكة القطار، لكنها مؤخراً أضحت مكباً للأنقاض التي تم تجميعها من الجمعيات الانشائية. والجمعيات الإنشائية هي عبارة عن تجمع لأبنية طابقية مرخصة، في منطقة منظمة، ولم تتعرض سوى لأضرار جانبية خلال الحرب. وساهم ذلك في عودة جزئية لبعض أصحاب المساكن فيها بعد إعادة تأهيلها، وحصولهم على الموافقات الأمنية بالعودة.
أمر مماثل يسرده أبو أحمد، في وصف ما يحدث حالياً على أرضه الزراعية شمالي مدخل المدينة. أبو أحمد اشتكى في حديثه لمراسل سيريا ريبورت، من تحويل أرضه إلى مكب للأنقاض من دون أخذ موافقته، ويقول إن شركة خاصة تستخدم أرضه وأراضي محيطة بها، كمكب للأنقاض المرحلة من المدينة، بعد استخراج المعادن منها.
بعض أعمال ترحيل الأنقاض في داريا، تديرها شركة نور عبيد الخاصة، التي يملكها محمد صوان “الحجي”، وهو من أهالي مدينة معضمية الشام المجاورة، والمعروف بعلاقته الجيدة مع قادة مجموعات الفرقة الرابعة المسيطرة على مدينة المعضمية، بحسب ما قاله مراسل سيريا ريبورت. ويرأس مجلس إدارة الشركة محمد خير الحلبي، الذي سبق وقال في لقاء تلفزيوني نشرته قناة “المحلية” الرسمية في 31 تموز 2024، إن شركته تشارك بشكل فعال في إعادة الإعمار، وتعمل على إزالة الأبنية الآيلة للسقوط وترحيل الأنقاض، ضمن ما وصفه بـ”مبادرة تضامنية لدعم المجتمع المحلي” سبق ونالت موافقة مجلس محافظة ريف دمشق. الحلبي أكد على وجود تنسيق مع لجنة السلامة العامة في محافظة ريف دمشق، من دون توضيح إن كانت ذلك يعني حصول الشركة على موافقات رسمية من المحافظة لإزالة الأبنية وترحيل أنقاضها. الحلبي أوضح أن للشركة آليات ثقيلة كالجرافات وآليات هدم وتكسير مخلفات الأبنية، وشاحنات.
مراسل سيريا ريبورت، أوضح أن الشركة تركز على ترحيل الأنقاض نحو الأراضي المحيطة بالمدينة، وبعض المواقع الأخرى، ولكنها أيضاً، قامت بهدم بعض الأبنية في منطقة الجمعيات الإنشائية، خلال صيف العام 2024، بذريعة عدم سلامتها الإنشائية. وينقل المراسل عن بعض سكان المنطقة بأن تلك المساكن كانت متضررة بشكل جزئي، وتحتاج ترميماً وإعادة تأهيل، لكنها لم تكن آيلة للسقوط. وفي ظل صعوبة التحري عن معلومات دقيقة بهذا الخصوص، تسري إشاعات بين الأهالي بأن الشركة تستهدف هدم بعض المساكن السليمة إنشائياً، ممن أصحابها من الغائبين، بغرض استخراج الحديد من أنقاضها، وإعادة تدويره.
ويبدو بأن تصاعد مخاوف الأهالي من ذلك الأمر، قد استدعت تطميناً من محافظ ريف دمشق أحمد إبراهيم خليل، الذي قال خلال استقباله وفداً من وجهاء داريا، نهاية أيلول الماضي، أن المحافظة لن توافق على إزالة أي بناء تعرض للضرر، قبل أن تكشف عليه لجنة تشكلت من المحافظة ونقابة المهندسين، لتقييم حالته الفنية والإنشائية، والتأكد من عدم إمكانية ترميمه.
