أضرار القصف التركي على المساكن في مناطق الإدارة الذاتية
تواصل تركيا استهداف مناطق سيطرة الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا، عبر الغارات الجوية والقصف المدفعي، ما يتسبب بوقوع أضرار على المساكن والمناطق المدنية ودفع السكان للنزوح المؤقت أو الدائم. وتتهم تركيا الإدارة الذاتية بأنها واجهة لحزب الاتحاد الديموقراطي، الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني التركي.
قسم الرصد والتوثيق في وكالة نورث برس الإعلامية، نشر إحصائية نهاية العام 2023، تفيد بتعرض 711 موقع سكني وتجاري، و21 موقعاً زراعياً، للقصف التركي على شمال شرق سوريا، خلال العام 2023. وتركز القصف على مدن وبلدات الدرباسية والقامشلي والمالكية وتل تمر وزركان وتل أبيض وتل رفعت ومنبج وكوباني وعين عيسى والقحطانية.
وغالباً ما يستهدف القصف التركي مواقع أمنية وعسكرية، وحواجز، ومقرات لهيئات ومؤسسات خدمية وإدارية تتبع للإدارة الذاتية، في المناطق المستهدفة. ويتسبب القصف بأضرار على المساكن، ومواقع العمل، والبنى التحتية والطرق، كما يجبر أحياناً سكان بعض تلك المناطق للنزوح المؤقت لأيام خاصة في الشريط الحدودي شمالاً باتجاه المدن والبلدات الجنوبية.
كما أن تواصل القصف من الجانب التركي، منذ سنوات، خلق مزاجاً عاماً من الخوف والقلق وانعدام الأمان، ما بات دافعاً للكثير من السكان للسعي نحو الهجرة خارج سوريا. وتسبب ذلك بتراجع أسعار العقارات في المناطق المستهدفة، التي شهدت تزايداً في العرض وقلة في الطلب على المساكن. كما أن البيوع العقارية بداعي الهجرة ازدادت بشكل كبير منذ العام 2020، وتراجعت معها أسعار العقارات، بحسب ما قالته مصادر حقوقية لسيريا ريبورت.
وعدا عن القصف، ساهمت عوامل أخرى متعلقة بالنزاع مع تركيا، بتراجع أسعار العقارات. مثلاً، في مدينة الحسكة، تسبب التوقف المتكرر لمحطة علوك، منذ خمس سنوات، بانخفاض كمية المياه الصالحة للشرب الواصلة إلى المنازل. وشكل ذلك عامل إضافي شجع الأهالي على ترك المدينة والانتقال للعيش في مناطق أخرى تتوفر فيها المياه بشكل أفضل.
في المقابل، لم تشهد السوق العقارية ركوداً في مدينتي عامودا والقامشلي التابعتين لمحافظة الحسكة، لا بل على العكس، ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات بسبب زيادة الطلب نتيجة حركة النزوح الكثيفة إليهما بعد سيطرة المعارضة المسلحة على مدينتي تل أبيض ورأس العين في العام 2019، خلال العملية العسكرية التركية “نبع السلام”. حينها، نزح أغلب الأكراد من المدينتين، باتجاه المدن الكبيرة ذات الغالبية الكردية في محافظة الحسكة، خاصة عامودا والقامشلي.
وفي حين تركز الإدارة الذاتية على توثيق وتأمين نفقات إعادة تأهيل وإصلاح البنى التحتية المتضررة بالقصف كمحطات الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية، فإنها في الوقت ذاته لا تكترث كثيراً بالأضرار التي تطال الأملاك الخاصة، ولم تشكل أي لجان لتوثيق الأضرار الواقعة عليها.
العقد الاجتماعي الناظم للإدارة الذاتية، وهو بمثابة دستور لها، يعتبر الملكية الخاصة مصانة، لكن ليس بوسع أصحاب المساكن الخاصة التقدم بشكاوى للمجالس البلدية أو دعاوى أمام القضاء للتعويض عما طال أملاكهم من أضرار بسبب القصف التركي. الإدارة الذاتية لا تعتبر نفسها مسؤولة عن التعويض على أصحاب تلك الأملاك.
ويتحمل أصحاب تلك الأملاك الخاصة المتضررة جزئياً بالقصف، تكاليف ترميمها، إلى الحد الذي تسمح به إمكانياتهم المالية، وما يصلهم من تبرعات أهلية. في حين أن كثيراً من الأملاك الخاصة المتعرضة لدمار كبير، لم تجد من يعمل على ترميمها، ومن ذلك مساكن ومعامل وصالات أفراح، ومشاغل يدوية.
في مدينة الدرباسية تعرض منزلان احدهما مجاور لنقطة عسكرية تابعة لقوى الأمن الداخلي الأسايش، لأضرار كبيرة جداً، بعد تعرض النقطة لقصف تركي في 23 ديسمبر 2023. وقدّر أصحاب تلك المنازل كلفة ترميمها بنحو 5 آلاف دولار لكل منها. يقول أصحاب المنازل لسيريا ريبورت إنهم لم يتلقوا تعويضاً من أي جهة رسمية تابعة للإدارة الذاتية، مدنية كانت أو عسكرية.
فرحان، من قرية حدودية تابعة لمدينة القامشلي، كان جالساً مع زوجته في إحدى غرف مسكنهم عندما تعرض المطبخ لقصف بقذيفة مدفعية. يقول فرحان، إنه رمم المطبخ على حسابه الشخصي، لكنه خشية من تكرار القصف، باع المنزل وانتقل للعيش في المناطق البعيدة عن الحدود مع تركيا.
أمر مماثل حدث مع وانة، التي كانت تقيم مع زوجها في تل تمر، واضطرت أكثر من مرة للنزوح إلى القامشلي نتيجة القصف المتبادل بين قسد وفصائل المعارضة المسيطرة على رأس العين. في ديسمبر 2023، قررت وانة وزوجها الانتقال إلى القامشلي، واستئجار منزل فيها، رغم أوضاعهم المالية الصعبة وعدم قدرتهما على تأمين عمل مستقر في القامشلي.
