أزمة التمديد الحكمي والفروغ تتفاقم بين المالكين والمستأجرين
بعد سقوط نظام بشار الأسد، طُرحت مجدداً وبشكل علني مشكلة العقارات المؤجرة بموجب التمديد الحكمي، باعتبارها من أكثر الملفات القانونية والسكنية إشكالاً في سوريا. المالكون يرون أن عقاراتهم سُلِبت منهم لعقود بقوة القوانين، بينما يتمسّك المستأجرون بحقوقهم المكتسبة نتيجة دفعهم إيجارات لعقود طويلة أو لدفعهم الفروغ في حالة العقارات التجارية.
في خضم النزاع المتصاعد بين المالِكين والمستأجرين، يبرز هاجس اجتماعي واقتصادي كبير: احتمال اندلاع أزمة واسعة في حال فُرض على المستأجرين إخلاء العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي دون تأمين بدائل مناسبة. ويقدّر بعض المحامين، تحدثت إليهم سيريا ريبورت، استناداً إلى دعاوى إخلاء، أن عشرات آلاف المنازل في دمشق وحدها لا تزال خاضعة لهذا النوع من الإيجارات، ما يعني أن آلاف المستأجرين مهددين فعلياً بفقدان مساكنهم ومحالهم التجارية، إذا لم تُعالج هذه القضية بتسوية عادلة ومتدرجة.
التمديد الحكمي
منذ الخمسينيات، خضعت العلاقات الإيجارية في سوريا لتحوّلات قانونية متتالية، انتقلت تدريجياً من فرض التمديد الحكمي الإلزامي على المؤجّرين، إلى العودة الجزئية لمبدأ التعاقد الحر، لاسيما بعد عام 2006. كان المرسوم التشريعي رقم 111 لعام 1952 هو أول من أرسى نظام التمديد الحكمي، الذي يقضي بتمديد عقد الإيجار تلقائياً بغض النظر عن إرادة المؤجّر، وهو ما اعتُبر حينها انتقاصاً من حقوق الملكية، ومخالفةً لمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” المنصوص عليه في المادة 148 من القانون المدني السوري الصادر عام 1949.
لاحقاً، حاول قانون الإيجار رقم 6 لعام 2001 التخفيف من التمديد الحكمي، فأخضع العقود السكنية المُبرمة بعد 15 شباط 2001 لمبدأ التعاقد الحر، لكنه أبقى العقود الأقدم خاضعة للتمديد الحكمي. وفي خطوة أكثر حسماً، جاء قانون الإيجار رقم 10 لعام 2006 ليُخضع جميع عقود الإيجار الجديدة، سواء السكنية أو التجارية، لمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين”، ما ألغى التمديد الحكمي عن هذه العقود الجديدة.
الفروغ
لكن، العقارات التجارية المؤجّرة قبل صدور قانون 10 لعام 2006 ظلّت خاضعة لنظام خاص من التمديد الحكمي، يُعرف بالفروغ، ووفقه يدفع المستأجر للمؤجّر مبلغاً مقطوعاً “بدل الفروغ”، يُقدّر عادةً بـ40 إلى 60 في المئة، من قيمة العقار التجاري، إلى جانب بدل إيجار شهري رمزي لا يخضع للزيادة. كما يتيح النظام للمستأجر التنازل عن حق إشغال المحل التجاري لمستأجر آخر مقابل بدل فروغ جديد، بينما تبقى ملكية العقار بيد المؤجّر الأصلي.
دعاوى التخمين
خلال الأشهر التي تلت سقوط نظام الأسد، وفي ظل استمرار التمديد الحكمي للعقود القديمة، لجأ العديد من المالِكين الأصليين إلى رفع دعاوى “تخمين” أمام المحاكم، بهدف تعديل بدل الإيجار بما يتناسب مع ارتفاع أسعار العقارات. وفي المقابل، يستخدم بعض المستأجرين الأداة نفسها لمحاولة تخفيض بدل الإيجار، مستندين إلى تراجع القدرة الشرائية أو تدهور الحالة الاقتصادية. هكذا تحوّلت دعاوى التخمين إلى ساحة قانونية إضافية يتواجه فيها الطرفان، دون أن تُقدّم بالضرورة حلاً جوهرياً للنزاع القائم حول حق الإشغال وحق الملكية.
لجنة رسمية
لذلك، في 12 حزيران 2025، أصدرت وزارة العدل قرارها رقم 856، القاضي بتشكيل لجنة متخصصة تضم ثمانية أعضاء من القضاة وممثلي جهات حكومية ونقابية، تتولى دراسة الوضع القانوني للعقارات المؤجرة بموجب عقود خاضعة للتمديد الحكمي، سواء كانت سكنية أو غير سكنية، ولصالح القطاعين العام أو الخاص. وكُلِّفت اللجنة باقتراح حلول تشريعية متوازنة تراعي العدالة بين المؤجّرين والمستأجرين، على أن تنجز أعمالها خلال مهلة شهرين من تاريخ المباشرة، قابلة للتمديد. وتُصرف تعويضات أعضائها من موازنة وزارة العدل.
اللجنة نظّمت في 2 تموز 2025، ندوة حوارية في دمشق شارك فيها ممثلون عن المالِكين والمستأجرين، بالإضافة إلى نقابات مهنية ومسؤولين رسميين، وحضرها مراسل سيريا ريبورت. وقد هدفت الندوة إلى توسيع نطاق المشاورة، وتوفير منصة موضوعية للبحث عن حلول واقعية ومتوازنة. وأكد رئيس اللجنة القاضي أنس منصور السليمان، على حياد العمل واستقلاليته، مشدداً على أهمية ضمان العدالة لكافة الأطراف دون تحيّز.
آراء المالكين والمستأجرين
مراسل سيريا ريبورت، حضر الندوة، والتقى العديد من المالكين الأصليين أو وكلائهم. ونقل المراسل عن بعضهم أن عقاراتهم بقيت لعقود بيد مستأجرين بموجب قوانين جائرة، من دون أي قدرة على التصرف بها أو استعادتها. ماهر، وهو ممثل عن تجمّع من نحو ألفي عائلة من المالِكين، شدّد على أن استرجاع الملكيات هو “حق دستوري” لا يحتاج إلى لجان أو تفاوض، بل إلى تنفيذ مباشر. البعض الآخر اقترح مهلة زمنية لا تتجاوز سنة واحدة لتخلي العقارات، منعاً لحدوث أزمة سكن مستقبلية، فيما شدد آخرون على ضرورة تعويض المالِكين عن سبعين عاماً من إشغال عقاراتهم بإيجارات زهيدة لا تتناسب مع قيمتها الفعلية.
بعض مالكي العقارات التجارية اعتبروا أن الفروغ هو في الحقيقة “وهم قانوني”، إذ لا يستند إلى عقد بيع بل إلى عقد إيجار يجب أن ينتهي بانتهاء مدته. ويذهب بعضهم إلى وصف الوضع القائم بأنه “سرقة موصوفة” للعقارات، بحماية القانون. أحد المالِكين، اعتبر أنه “لا وجود حقيقي لمالك العقار التجاري المسمى أو مالك الفروغ، بل هناك فقط المستأجر شاغل العقار”، مطالباً باستعادة عقاره من دون دفع أي تعويض.
في المقابل، يتمسّك مستأجري العقارات التجارية بما يعتبرونه حقوقاً مكتسبة، مؤكدين أنهم شغلوا هذه العقارات بموجب عقود قانونية، ودفعوا حينها مبالغ كبيرة كفروغ، كان بإمكان المؤجّر أن يشتري بها عقاراً آخر في ذلك الزمن. المحامي محمد، وكيل عدد من مستأجري العقارات التجارية، في أحياء المرجة والقصاع وباب توما، أوضح أن بدل الفروغ المدفوع سابقاً كان كبيراً جداً، وأن المطالبة بإخلاء العقار من دون أي تعويض تُعدّ ظلماً صريحاً. وأضاف: “لا ننكر حق المالك في استعادة عقاره، لكن يجب أن يحصل المستأجر على تعويض عادل، يُحتسب وفق القيمة السوقية الراهنة”. من جهته، أشار سمير، مستأجر محل تجاري في المرجة ورثه عن والده، إلى أن المالك كان على علم تام بشروط الإيجار وقانون الفروغ وقت توقيع العقد، متسائلاً: “إذا كان يعلم كل ذلك، فلماذا وافق على التأجير؟”، مشدداً على أن من غير المقبول اليوم المطالبة باستعادة العقار من دون أي قيد أو شرط، وأن اللجنة المعنية يجب أن تُنصف مستأجري العقارات التجارية أيضاً.
الطابع المتوارث عبر الأجيال لكثير من عقود الإيجار والمطالبات بالملكية، ينطوي على خطر تجاهل حقوق النساء في الإرث ضمن مطالبات الاسترداد الحالية. وغالباً ما يقود الأقارب الذكور الإجراءات القانونية، مما قد يُقصي الوريثات ويُغيّب مطالبهن المشروعة.
أرضية مشتركة
وسط الاستقطاب الحاد بين المالِكين والمستأجرين، طرح موظف في مؤسسة الإسكان، خلال الندوة، اقتراحاً مرحلياً لتفادي الصدام، يقوم على تفريغ العقارات خلال أربع سنوات بشكل تدريجي. وفقاً لهذا الطرح، يُمكن للمؤجّر استعادة عقاره خلال السنة الأولى مقابل دفع 40٪ من قيمته للمستأجر، أو 30٪ في السنة الثانية، و20٪ في الثالثة، فيما يحصل على العقار مجاناً في السنة الرابعة أو يدفع 10٪ فقط من قيمته. الهدف من هذا التدرّج، بحسب صاحبه، هو إعطاء وقت كافٍ للمستأجرين لتأمين بدائل، ومنع انتقال الأزمة من المحاكم إلى الشارع.
في المقابل، شدد نقيب المحامين، أحمد دخان، على ضرورة تحقيق توازن حقيقي في العلاقة بين الطرفين، قائلاً إن المستأجر يظل مستأجراً، والمالك يظل مالكاً لعقاره، ولا يجوز أن يستمر التسلط باسم القانون. وأضاف أن النقابة تقف على مسافة واحدة من الطرفين، وأن الحل العادل يجب أن يُراعي الحقوق والعدالة معاً.
بينما أكد القاضي محمد حاج حسن، عضو اللجنة، أن اللجنة ما تزال في طور الاستماع إلى الآراء والمقترحات، في ظل تعقيد العلاقة التعاقدية التي تحكم عقود الإيجار، بما فيها تلك الخاضعة لنظام الفروغ. وأوضح أن القضية تمسّ شريحة واسعة من المجتمع، ما يفرض على اللجنة الإنصات لكافة الأطراف دون استثناء، تمهيداً لصياغة مقترحات تشريعية تحقق حلاً عادلاً ومتوازناً يراعي مصالح الطرفين.
