وزارة الأوقاف تفسخ عقد استثمار مجمع يلبغا في دمشق
أصدرت وزارة الأوقاف في حكومة تسيير الأعمال بتاريخ 4 شباط 2025 القرار رقم 23 القاضي بفسخ عقد تجهيز واستثمار وإدارة موقع مجمع يلبغا في دمشق، المشاد على العقارات أرقام 861 حتى 877 ضمن المنطقة العقارية بحصة وسنجقدار، وما يتضمنه المجمع من مبانٍ وتجهيزات تعود ملكيتها لوزارة الأوقاف.
القرار استند إلى أحكام الدستور، والمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف، وعلى مقتضيات المصلحة العامة، وعلى كتاب مديرية أوقاف دمشق رقم 151 الصادر في 25 يناير 2025 المتضمن طلب اتخاذ الإجراءات اللازمة بخصوص العقارات الوقفية.
في الأصل، فإن موقع المجمع كان مسجداً في العهد المملوكي، بناه الأمير سيف الدين يلبغا عام 1347، وتعرض مع الوقت لانهيارات جزئية، وكان يفترض ترميمه. وتعود بداية المشروع إلى العام 1973، حين كُلِّفت مؤسسة الإسكان العسكرية، بهدم المسجد، وتشييد مركز ثقافي ومعهد إسلامي مكانه. ولكن المشروع تعثر وواجه مشاكل عديدة، أبرزها تدفق المياه الجوفية أثناء أعمال الحفر ما استدعى عمليات تفريغ استمرت عشر سنوات بسبب سوء الدراسة الفنية. استؤنفت الأعمال عام 1990، وأنهت مؤسسة الإسكان العسكرية إنشاء الهيكل، وسلمته لوزارة الأوقاف عام 2004. والمجمع مؤلف من 11 طابقاً، وتبلغ مساحة الأرض التي أقيم عليها 4,500 متراً مربعاً.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل المجمع على الهيكل، وقد طرحته وزارة الأوقاف للاستثمار عدة مرات، وتعاقدت مع بضعة شركات على اكماله واكسائه واستثماره، قبل أن تفسخ العقود، من دون توضيح الأسباب. ومن الشركات تلك، شركة ميسكا السعودية، في العام 2006، ثم شركة قصر الملكة الإماراتية في العام 2008.
وزارة الأوقاف أبرمت عقد استثمار المجمع في كانون الثاني 2019 مع شركة نقطة تقاطع “انترسيكشن” محدودة المسؤولية، التي يملكها وسيم أنور قطان، بقيمة 1.70 مليار ليرة سورية سنوياً. وكان يفترض أن تقوم الشركة فور استلامه بعملية إكسائه وتجهيزه ثم البدء باستثماره كمجمع تجاري وسياحي يضم مطاعم وصالات ومولات ومرآب للسيارات لمدة 48 سنة. ومنذ ذلك التاريخ لم تقم الشركة بأعمال ملحوظة على صعيد استكمال البناء أو الاكساء.
وسيم قطان هو أحد رجال الأعمال النافذين في عهد النظام المخلوع، وشغل منصب رئيس غرفة تجارة ريف دمشق بين العامين 2018-2020، وكان قد حصل على عقود استثمارية مهمة منها؛ مول قاسيون، مول ماسة بلازا، وفندق الجلاء. وقد أُدرج قطان على لائحة العقوبات الأميركية والأوروبية عام 2020 لدعمه المالي للنظام. في أيلول 2023، أدى تنفيذ أعمال توسعة غير مرخصة للأقبية في أحد المباني المملوكة لوسيم القطان في حي المالكي إلى انهيار شرفات البناء. بالإضافة إلى اعتبار سبب الانهيار مخالفة بناء، فقد تفاقمت التداعيات الأمنية بعد الكشف عن قيام القطان بأعمال غير مصرح بها، شملت إدخال آليات ثقيلة، إلى منطقة حساسة بالقرب من مقر إقامة الرئيس المخلوع بشار الأسد، ما أسفر عن موجة اعتقالات داخل محافظة دمشق واعتبار الحادث خرقاً أمنياً خطيراً.
وزارة الأوقاف لم تشر إلى سبب فسخ العقد مع شركة نقطة تقاطع. لكن مصادر في الوزارة أشارت في حديثها لسيريا ريبورت، إلى ضآلة مبلغ الاستثمار السنوي بالنظر إلى ضخامة المشروع والعائد المادي المتوقع من استثماره، وأيضاً إلى فشل الشركة المنفذة في إنجاز أي من الأعمال الموكلة لها. من جانب آخر، مصدر مطلع، اعتبر في حديثه لسيريا ريبورت، أن مشروع استثمار نقطة تقاطع لمجمع يلبغا، يعتُبر مخالفاً لمقاصد الشريعة الإسلامية، حيث يوجب الفقه الإسلامي استثمار عقارات الأوقاف في مشاريع الخير والبر والإحسان بما يعود بالنفع على الناس. ولذلك فإن إقامة مجمع سياحي على أرض أوقاف من قبيل مطاعم قد يحدث فيها غناء وتسلية، فهو مخالف للمقاصد الشريعة ويخالف شرط الواقف. إذ لا يتصور أن شخصاً أوقف عقاراً لوجه الله يقبل أن يقام على عقاره الموقوف هذا النوع من الاستثمارات.
وقد تضمن قرار فسخ العقد مصادرة التأمينات المدفوعة من قبل الشركة، ومطالبتها بالتعويض عن أي أضرار محتملة، إضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستلام العقار بالتنفيذ الجبري. وفي هذه الحالة يمكن للمتعاقد اللجوء إلى القضاء لمطالبة الوزارة بالتعويض عن الفسخ.
ومن الملفت أن قانون الأوقاف رقم 31 لعام 2018 لا يمنح الوزارة صلاحية الفسخ الجبري للعقود المبرمة، بل يلزمها باللجوء إلى القضاء لطلب الفسخ لأسباب مثل الغبن أو مخالفة العقد لمقاصد الشريعة. ومع ذلك، فإن قرار الفسخ المباشر يفتح الباب أمام جدل قانوني، خاصة أن المستثمر قد يلجأ إلى القضاء للطعن فيه أو المطالبة بتعويضات، مما يضع الوزارة أمام اختبار قانوني وإداري حاسم. فرغم وجود مبررات تتعلق بالفساد ومخالفة العقد لمقاصد الأوقاف، فإن الآلية القانونية المعتمدة قد تثير إشكالات وتفتح المجال أمام دعاوى قضائية.
كما لم يتضمن قرار الفسخ أي إشارة إلى الخطوات المقبلة التي ستتخذها وزارة الأوقاف، سواء بإعادة طرح المجمع للاستثمار مجدداً أو البحث عن مستثمر جديد، أو حتى إمكانية تحويله إلى منشأة وقفية غير ربحية. هذا الغموض يترك مصير المشروع غير واضح، خاصة أن المجمع ظل متعثراً لعقود رغم المحاولات المتكررة لاستثماره، مما يثير تساؤلات حول خطط الوزارة في إدارة هذا العقار الحيوي مستقبلاً.
