هيئة أهلية تضع مصوراً لإعادة إعمار حي جوبر الدمشقي
بعد مرور أكثر من عشرة أشهر على سقوط النظام، ما يزال حي جوبر الدمشقي، أحد أكثر أحياء العاصمة دماراً خلال الحرب، بلا حلول واضحة تتيح عودة السكان وبدء إعادة الإعمار. ولذا، بادر مجلس الأمناء، وهو هيئة أهلية من أبناء الحي، لوضع مصور تخطيطي لإعادة تنظيم جوبر. المبادرة المحلية جاءت رداً على ما يعتبره الأهالي تجاهلاً من المحافظة لمعاناتهم، وقد رافقها احتجاجات ميدانية وبيانات تطالب بخطوات تنفيذية فورية لإعادة إعمار الحي.
يقع حي جوبر على الطرف الشرقي من العاصمة دمشق، ويشكّل بوابتها نحو الغوطة الشرقية. كان في الأصل قرية زراعية تابعة للغوطة قبل أن يُضم إلى دمشق عام 1968 ضمن خطة التوسع العمراني التي أعدها المهندس الفرنسي ميشال إيكوشار. خلال العقود التالية، تحوّل الحي إلى منطقة سكنية مكتظة، وضمّ معالم دينية وتاريخية بارزة مثل المسجد العمري وكنيس جوبر اليهودي الذي تعرّض لدمار شبه كامل خلال الحرب. ومنذ عام 2012 خضع الحي لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة، وشهد معارك مدمّرة أزالت معظم أبنيته حتى استعادته قوات نظام الأسد عام 2018، ليبقى منذ ذلك الحين خالياً من السكان حتى سقوط النظام.
في عام 2022 أعدّت محافظة دمشق المخطط التنظيمي رقم 106 الخاص بحي جوبر، استناداً إلى أحكام قانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015، الذي يتيح للوحدات الإدارية اقتطاع ما يصل إلى 50 بالمئة من الملكيات الخاصة في مراكز المحافظات لصالح المرافق العامة. هدف المخطط إلى إعادة تأهيل الحي وتنظيمه عمرانياً، مع تعديل حدوده الإدارية لتوسيعها على حساب مناطق ريف دمشق المجاورة. ثم جرى تجميده بعد سقوط نظام الأسد، لتبدأ مساعٍ جديدة لإعداد مخطط بديل يراعي مصالح السكان المحليين.
سكان الحي شُكّلوا هيئة أهلية باسم “مجلس أمناء جوبر” بعد سقوط نظام الأسد، لتتولى التنسيق مع محافظة دمشق في ملف إعادة الإعمار، عبر لجنة ارتباط تجتمع دورياً مع اللجنة الفنية التابعة للمحافظة التي شكلها المحافظ لإدارة ملف جوبر. وقد أنجز المجلس، من خلال لجنة هندسية مؤلفة من مهندسين من أهالي الحي، مصوراً عمرانياً جديداً يقترح إعادة تنظيم جوبر ضمن 5 جزر سكنية، وإعادة بناء الأجزاء المتضررة، ومعاملة المساكن المخالفة والمرخصة بذات السوية بالنسبة لأصحاب الحقوق.
ووفق ما أكده المتحدث باسم المجلس أنس البكور، لمراسل سيريا ريبورت، فإن هذا المقترح يستند إلى مبدأ إعادة البناء الشامل للحي، مع الحفاظ على حقوق الملكية للأهالي من خلال لجنة قانونية تابعة للمجلس. ويرى البكور أن مبادرتهم تمثّل رداً عملياً على تجاهل المحافظة، وأن إعادة إعمار جوبر لن تكون ممكنة إلا ضمن شراكة حقيقية بين الطرفين.
تأخّر محافظة دمشق في الإعلان عن خطتها التنظيمية دفع عشرات الأهالي إلى تنظيم وقفة احتجاجية منتصف أكتوبر، عند مدخل جوبر من جهة ساحة العباسيين، بدعوة من “رابطة شباب الحي” المُشكلة حديثاً من أبناء جوبر، بالتنسيق مع مجلس الأمناء. وجاء في بيان أصدرته الرابطة أن السكان يعبرون عن استيائهم من استمرار تهميش حيهم رغم التضحيات التي قدموها خلال الحرب، مؤكدين أن إعمار جوبر يجب أن يكون أولوية للمحافظة. وطالب البيان بوضع جدول زمني واضح لبدء إعادة الإعمار وتحديد آليات عودة الأهالي المؤقتة والدائمة. ونقل مراسل “سيريا ريبورت” شهادات من سكان عادوا إلى الحي أخيراً عبّروا فيها عن عجزهم عن ترميم منازلهم المدمرة في ظل غياب أي خطة رسمية، معتبرين أن غموض موقف المحافظة يطيل معاناتهم ويدفعهم لمواصلة الاحتجاج.
يتضمّن المصوّر الذي أعدّه مجلس الأمناء إعادة إعمار نحو 300 هكتار من مساحة جوبر، نصفها تقريباً كانت عشوائيات. ويقترح المشروع إعادة توزيع الحقوق على أصحابها، على شكل وحدات سكنية ضمن الجزر التنظيمية الجديدة، وعلى الأغلب في غير مواقعها الأصلية. ويؤكد مجلس الأمناء أن هذه الآلية ضرورية لضمان العدالة في التوزيع وتحقيق التخطيط الحديث للحي، على أن تتولى اللجنة القانونية التابعة له توثيق الحقوق الفردية ومتابعة إجراءات التخصيص عند اعتماد المصوّر رسمياً. كما يشير المجلس إلى أن تنفيذ المشروع يتطلّب دعماً خارجياً أو منحة من دول صديقة، نظراً إلى عجز معظم السكان عن تحمّل تكاليف إعادة الإعمار.
يرى مجلس الأمناء أن إزالة الأنقاض تشكّل الخطوة الأولى في إعادة إعمار جوبر، لكنها تتطلب آلية قانونية خاصة باعتبار أن معظم هذه الأنقاض تعود إلى ملكيات خاصة. ويقترح المجلس نقل الركام على نفقة جهات حكومية أو منظمات مانحة، ثم تدويره والاستفادة من قيمته المادية في إنشاء صندوق محلي مخصّص لإعادة إعمار الحي. كما يناقش المجلس إمكانية إشراك شركات عربية وأجنبية متخصّصة في عمليات التدوير، ليس فقط في جوبر بل في سائر المناطق المدمّرة. ويؤكد المتحدث باسم المجلس أن وجود الألغام في أطراف الحي ما زال من أبرز العقبات أمام أي أعمال ميدانية، مشيراً إلى أن عدداً من المنظمات الدولية أبدى استعداده لتوفير أجهزة لإزالتها.
