هدم مبنى محافظة دمشق وإنذارات إخلاء لشاغلي أبنية مجاورة
في حزيران 2025، أصدرت محافظة دمشق قراراً بهدم مبناها الإداري الرئيسي في ساحة يوسف العظمة، ما تبعه توجيه إنذارات بالإخلاء لشاغلي المباني التجارية الملاصقة لمبنى المحافظة. ورغم تطمينات المحافظ الشفهية بتجميد القرار، لم يصدر أي إجراء رسمي أو مكتوب يؤكد ذلك، ما أثار موجة من القلق والاعتراض بين المستأجرين.
ويقع مبنى محافظة دمشق في ساحة يوسف العظمة في قلب العاصمة، وقد أنشئ ليكون مقراً لمديرية آثار دمشق في خمسينيات القرن الماضي. وشُيِّد المبنى على نمط عمارة منتصف القرن العشرين آنذاك في سوريا، ضمن سياق النهضة العمرانية بعد الاستقلال. ثم تحول المبنى إلى مقر محافظة دمشق، بعد انفصالها عن محافظة ريف دمشق، بموجب المرسوم التشريعي رقم 15 لعام 1972. وضم المبنى منذ ذلك الوقت مكتب المحافظ، ومجلس المحافظة، وكل المكاتب الإدارية المرتبطة بهما. لم يصنف المبنى في أي مرحلة أثرياً أو ذا قيمة تراثية حسب قانون الآثار السوري. وبسبب قدمه واستخدامه لغير الغاية المصمم لها، فإن عمارته لم تعد تساعد وظيفياً في متابعة حاجات محافظة دمشق الإدارية، ولا استيعاب أعداد الموظفين والمراجعين.
تمثلت المشكلة الأبرز في توجيه محافظة دمشق إنذارات بالإخلاء إلى شاغلي المباني التجارية القائمة على العقارين رقم 1387 و641، وهما عقاران تعود ملكيتهما إلى المحافظة. ويقع مبنى محافظة دمشق الحالي على جزء من هذين العقارين، في حين تشمل الأجزاء الأخرى مبانٍ تجارية تضم محالاً ومكاتب إدارية وهندسية وعيادات طبية. وعلى الرغم من صدور الإنذارات، لم تُعلن المحافظة عن أي قرار رسمي يتعلق بهدم تلك المباني المجاورة لمبناها، والمقامة أيضاً على العقارين نفسيهما. كما لم تصدر أي تقارير فنية أو هندسية تفيد بأن عملية الهدم، في حال تنفيذها، قد تُسبب أضراراً إنشائية لتلك المباني المجاورة.
إنذارات الإخلاء التي وجهتها محافظة دمشق لشاغلي هذه الأبنية أثارت حالة من الارتباك والقلق. جميع شاغلي تلك المباني، هم بحكم المنتفعين من عقود “فروغ” محالهم التجارية ومكاتبهم، موقّعة مع محافظة دمشق منذ عقود. عقود التأجير الدائمة “الفروغ”، هي عقود تأجير لمحال تجارية، ومكاتب غير سكنية، غير محددة المدة، بموجب القوانين السابقة على قانون الايجار رقم 10 لعام 2006. وتخضع تلك العقود لنظام التمديد الحكمي الذي يعني تمديد عقد الإيجار حكماً، بغض النظر عن رغبة وإرادة المؤجّر. ويحق للمستأجر وفق نظام الفروغ، أن يورّث محله أو مكتبه، أو يبيعه. وتحصل المحافظة على نسبة 10% من قيمة المحل أو المكتب، عند نقل فروغه، تأجيره أو بيعه.
وبحسب عقود الفروغ تلك، فقد دفع المستأجرون 80% من قيمة محالهم ومكاتبهم، عند استئجارها، ويدفعون إيجاراً شهرياً للمحافظة. ووفق نظام الفروغ، لا يحق لمالك العقار، وهنا نتكلم عن محافظة دمشق، إخراج المستأجر إلا في حالات حددها القانون، مثل تعديل مواصفات العقار أو عدم دفع الأجرة.
وعلى الرغم من اجتماع محافظ دمشق، مع بعض أولئك المستأجرين، وتأكيده لهم شفهياً أنه تم توقيف الهدم، وأنه لن يتم تنفيذ إنذارات الإخلاء في الوقت الراهن، فإن هذه التطمينات بقيت دون أي قرار مكتوب أو إجراء رسمي صادر عن المحافظة. هذا الغياب للتوثيق دفع المستأجرين إلى تشكيل لجنة تمثلهم، لمقابلة المحافظ والمطالبة بتراجع موثق عن القرار. إلا أن المحافظ قال للجنة: “ألا تكفي كلمتي؟”، بحسب ما قاله أحد ممثلي اللجنة لمراسل سيريا ريبورت.
هذا التخبط الإداري، المتمثل في إصدار إنذارات ثم تجميدها دون أي مستند رسمي، زاد من عدم ثقة المستأجرين. ويرى بعضهم، أن هدم المباني المجاورة لمبنى المحافظة، ليس له ضرورة هندسية، بل وسيلة ضغط هدفها إخراجهم من العقارات التي يشغلونها. لذا، بين شفهية الوعود وغموض الإجراءات، تبقى مخاوف شاغلي العقارات معلقة، وسط إمكانية إعادة تفعيل الإنذارات في أي وقت، ما لم يصدر قرار رسمي يلغيها بشكل نهائي.
محام مطلع على الملف، قال لمراسل سيريا ريبورت، إن إنذارات الإخلاء لا تستند إلى أي مسوغ قانوني، وأن الإجراء الذي قامت به المحافظة يخالف النصوص التي تنظّم هذا النوع من الإيجارات. واعتبر أن توقيف قرار الإخلاء خطوة إيجابية، لكنه غير كاف ما لم يصدر قرار واضح يعالج المسألة من جذورها. كما أشار المحامي إلى أن المستأجر الذي دفع قيمة الفروغ، يعتبر منتفعاً، وبالتالي لا يمكن إخراجه إلا ضمن الشروط المحددة قانوناً. وأعرب عن استغرابه من إقدام المحافظة على إصدار الإنذارات مستندة فقط إلى نية هدم مبنى المحافظة، وهي حجة لا تكفي لتبرير إخلاء عقارات مجاورة.
مراسل سيريا ريبورت التقى عدداً من مستأجري المحال والمكاتب، ممن عبروا عن قناعتهم بأن الهدف من قرار الهدم ليس تحديث المباني أو معالجة خطر إنشائي، بل السعي إلى إخراجهم منها تمهيداً لإعادة استثمارها وفق شروط جديدة. وبحسب رأي أولئك، فإن إخراجهم، سيُمكّنُ المحافظة من إعادة تقدير قيمة الإيجارات بطريقة مختلفة، تتناسب مع أسعار السوق الحالية، ما يحقق لها عائدات أكبر. كما أعربوا عن خشيتهم من أن يكون تجميد القرار مؤقتاً، وأن يُعاد تفعيله في أي لحظة طالما لم يصدر أي قرار رسمي بإلغائه.
في ظل هذه المخاوف، قرر بعض المستأجرين التوجه نحو القضاء لضمان حقوقهم، معتبرين أن الإجراء الإداري الحالي غير كافٍ، وأن المحافظة تسعى لاخلائهم من محالهم ومكاتبهم، بوسائل تفتقر للأسس القانونية، ما يعزز الشعور بانعدام الأمان لديهم.
