هجمات المتشددين على ريف السويداء تترك بصماتها الثقيلة على حقوق الملكية والسكن
تعرضت محافظة السويداء خلال الأسبوع الأول من أيار، لهجمات مسلحة على جبهات متعددة، نفذتها قوات تتبع لوزارتي الداخلية والدفاع في الحكومة المؤقتة التي تقودها هيئة تحرير الشام، وميليشيات رديفة لها تضم عناصر من عشائر بدو المنطقة ومن ريف درعا. نتج عن تلك المواجهات العسكرية أضرار كبيرة على حقوق السكن الأرض والممتلكات، كان أبرزها في بلدة الصَوَرَةَ بريف السويداء الشمالي.
تلك الهجمات جاءت على خلفية تسجيل صوتي منسوب لرجل دين درزي، يشتم فيه رسول المسلمين. ورغم تبيان أن التسجيل كان مفبركاً،، ورغم مبادرة معظم الوجهاء المحليين الدروز ورجال الدين، لإعلان رفضهم أي مساس بعقائد الاخرين، وإصرارهم على إعلاء الرابط الوطني مع بقية السوريين، إلا أن موجة التحريض والتخوين تصاعدت ضد الطائفة الدرزية، وصدرت بعض الأصوات التكفيرية بحقهم.
أبرز تلك الهجمات، كانت ضد بلدة الصَوَرَةَ الكبيرة في ريف السويداء الشمالي، حيث بدأت في 30 نيسان، باستخدام قذائف الهاون والرشاشات الثقيلة، وتبعها حصار البلدة من ثلاثة اتجاهات: الشرق والشمال والغرب. دخل المسلحون مساءً إلى البلدة بعد قصف مكثف، مما أجبر السكان على النزوح بشكل جماعي باتجاه مدينة السويداء. وبعد توصل مرجعيات درزية وقادة فصائل محلية إلى اتفاق مع ممثلين عن الحكومة المؤقتة، بعد أيام، انسحبت القوات المُهاجمة من البلدة، لكنها تركت خلفها دماراً كبيراً. إذ تعرضت المنازل للنهب والتعفيش، ثم أُضرمت النيران في جزء كبير منها. كما شهدت البلدة عمليات إعدام وتصفيات بحق خمسة مدنيين لم يتمكنوا من النزوح عنها، وإصابة آخرين.
بعد انسحاب القوات المهاجمة، اكتشف السكان العائدون حجم الدمار الذي لحق بمنازلهم، حيث بدت المنازل الريفية البسيطة سوداء بفعل الحرق، وقد احترق الأثاث بالكامل ولم يبقَ منه إلا الرماد. أظهرت الصور الواردة حالة الفوضى داخل المنازل، بما في ذلك غرف الأطفال التي لم تسلم من التخريب والنهب.
تحدث نمر الشاهين، أحد سكان البلدة، لسيريا ريبورت، عن اقتحام منزله من قبل المسلحين، حيث سرقوا سيارته وأثاث منزله، ولم يكتفوا بذلك، بل استولوا على أغنامه وبقرته، ثم عمدوا إلى إحراق جراره الزراعي. وصف الشاهين كيف حاول حماية منزله وممتلكاته، لكنه تعرض لإطلاق نار من مسافة قصيرة وتسبب بإصابته بيده. إلا أن القصف الكثيف والاقتحام السريع حال دون ذلك.
في المناطق الزراعية المحيطة بالبلدة، تعرضت الحقول والمزارع لنهب ممنهج. شملت الاعتداءات تدمير الآليات الزراعية، مثل الجرارات والسيارات الخاصة بالنقل الزراعي. يروي أحد المزارعين العائدين أن المسلحين دخلوا إلى مزرعته، واستولوا على المعدات الزراعية، قبل أن يضرموا النار في مخزن الحبوب، ما سيترك أثراً كبيراً على مصدر دخله الوحيد.
إلى جانب الأثاث والمواشي، تعرضت المحال التجارية الصغيرة لعمليات سلب ونهب واسعة. بعض الدكاكين لم يتبق منها سوى الجدران المحترقة، حيث نهبت محتوياتها بالكامل، بما في ذلك المواد الغذائية والبضائع القليلة المتبقية بعد شهور من التضييق الاقتصادي.
من بين الانتهاكات المثيرة للقلق، أبلغ العائدون عن سرقة هوياتهم الشخصية من المنازل. أشاروا إلى أن المسلحين اقتحموا البيوت وعبثوا بمحتوياتها، حتى أنهم جمعوا الهويات الشخصية والوثائق المدنية. يثير ذلك تساؤلات خطيرة حول نوايا استخدام هذه الهويات في نشاطات غير قانونية، خاصة في ظل توقف عمل دوائر الأحوال الشخصية، وعدم القدرة على استخراج بدائل عنها.
يؤكد حسن عليوي، أحد السكان المتضررين، أن فقدان الهويات يشكل تهديداً حقيقياً لأهالي البلدة، حيث أن استخدام هذه الوثائق في عمليات تزوير قد تتسبب في مشاكل قانونية مستقبلية، خصوصاً إذا ما استُخدمت في بيع ممتلكات أو تسجيل أصول بشكل غير قانوني.
إلى جانب الأضرار المادية، عانى السكان من آثار نفسية قاسية بسبب هذه الانتهاكات. يصف الشاهين كيف فقد إحساسه بالأمان، حيث لم يعد يثق بأن منزله يمكن أن يبقى آمناً حتى بعد عودته. يشير بعض السكان إلى أن فقدان الهويات يزيد من شعورهم بالعجز، إذ إن حيازة الهويات المسروقة يمكن أن تتيح إجراء بيع وهمي للعقار عبر كاتب العدل، بشرط حضور شاهدين لإتمام العملية.
كما أقدم المهاجمون على تدنيس المقدسات الدرزية، ومنها حرقهم المتعمد لمقام الخضر، بما فيه من مخطوطات دينية، وكتابة شعارات طائفية ضد الطائفة الدرزية على الجدران. هذا الحدث أثار موجة من الغضب والاستنكار بين سكان البلدة وأهالي السويداء بشكل عام، حيث اعتُبر استهداف مقام ديني بهذه الطريقة اعتداء على الرموز الدينية والاجتماعية للطائفة الدرزية.
الهجمات المسلحة لم تقتصر على بلدة الصورة، بل طال القصف بقذائف الهاون قرى متعددة في ريف السويداء الغربي، ما تسبب بأضرار كبيرة على المساكن والممتلكات. وتم توثيق تضرر 18 منزلاً في قرى عرى، رساس، وكناكر، بنسب متفاوتة، وبعضها لم يعد صالحاً للسكن بسبب طبيعتها الحجرية القديمة، مما يجعل عملية الترميم صعبة ومعقدة. كما أظهرت الصور الملتقطة تصدعات في الأسقف والأبواب والنوافذ، في كثير من المساكن الأخرى. إلى جانب ذلك، تضررت آليات النقل والزراعة بشكل كبير. كما تعرضت المنازل الريفية البسيطة، على أطراف القرى والبلدات في ريف السويداء الغربي، لنهب محتوياتها والتخريب. إذ سجلت حوادث سرقة للماشية والسيارات، وإحراق الجرارات الزراعية. كما نهبت محتويات الحوانيت الصغيرة، ثمّ أحرقت، ولم يتبق منها سوى جدران سوداء بفعل الحرائق.
هذا الاستهداف الممنهج للممتلكات الزراعية والسكنية، وسبل العيش، سيزيد من معاناة الأهالي الذين يعتمدون على هذه الموارد في معيشتهم، ويضاعف من صعوبة العودة إلى حياتهم الطبيعية. إن الاستهداف المنهجي للمساكن والأراضي الزراعية والموارد الأساسية سيزيد من معاناة المجتمع المحلي، مما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة. وفي المجتمعات الريفية مثل السويداء، حيث تلعب النساء دوراً كبيراً في الزراعة، فإن فقدان الوصول إلى الأراضي والموارد يمكن أن يؤثر بشكل غير متناسب على سبل عيشهن.
تزامنت هذه الحملة مع محاولات لإثارة الفتنة الطائفية داخل الجامعات السورية، خاصة في جامعة حمص، حيث تعرض طلاب من أبناء السويداء للتهديد المباشر بالقتل من قبل طلاب متشددين بعضهم عرف بانتمائه لهيئة تحرير الشام. لم تقتصر الممارسات على التهديدات اللفظية، بل وصلت إلى الاعتداءات الجسدية على الطلاب الدروز في مدينة حلب الجامعية، ما دفع قوات الأمن العام لعزل الطلاب الدروز في وحدات سكنية خصصت لهم، مع تأمين حمايتهم، من الطلاب المتشددين. في الوقت نفسه، شهدت مدينة حماة مظاهرات رفعت شعارات طائفية ضد السويداء، مما زاد من حدة التوتر. كما خرجت دعوات تحريضية في ريف درعا للمشاركة في الهجوم على السويداء، إلا أن وجهاء محليين في درعا تدخلوا لمنع انتشار هذه الدعوات، مؤكدين على ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي.
