نهب وحرق وتجريف: حملة ممنهجة لتدمير الممتلكات في الساحل السوري
شهدت قرى وبلدات الساحل السوري، خلال الأسبوعين الماضيين، حملة ممنهجة من النهب والحرق وتجريف الممتلكات، ترافقت مع عمليات قتل جماعي وتهجير قسري، نفذتها مجموعات مسلحة تابعة لوزارة الدفاع في الإدارة الانتقالية التي تهيمن عليها هيئة تحرير الشام.
استهدفت الانتهاكات منازل المدنيين، المحال التجارية، الأراضي الزراعية، والمركبات الخاصة، إلى جانب ارتكاب جرائم موثقة بحق السكان. يوثّق هذا التقرير شهادات مباشرة جمعها مراسل سيريا ريبورت من القرى المتضررة، ويعرض نماذج من الأضرار التي لحقت بحقوق السكن، الأرض، والملكية، ضمن سياق تصعيد عسكري تحوّل بسرعة إلى اعتداء منظم على الحياة اليومية. وبينما بدأت أعمال العنف في منطقة الساحل في 6 آذار بهجوم شنّته فلول النظام السابق على قوات الحكومة وأسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا العسكريين والمدنيين، يركّز هذا التقرير بشكل أساسي على الأضرار المرتبطة بحقوق السكن والأرض والملكية، وعلى أعمال العنف التي رافقتها وأثّرت على المدنيين، والتي، بحسب الشهادات التي جُمعت، ارتُكبت في الغالب من قبل فصائل مرتبطة بهيئة تحرير الشام.
في 6 آذار 2025، نفذت مجموعات مسلحة متمردة، هجمات منسقة على مواقع أمنية في جبلة وريف اللاذقية، مستهدفة قوات الأمن العام المشكّل حديثاً من قبل الإدارة الانتقالية في دمشق. رداً على ذلك، شنت قوات الأمن العام، بدعم من فصائل منضوية حديثاً في الجيش الذي شكلته وزارة الدفاع، حملة عسكرية واسعة النطاق لاستعادة السيطرة على المناطق التي وقعت فيها التمردات. وشاركت في الحملة ميليشيات سلفية جهادية، ومجموعات مسلحة متنوعة استجابت لنداءات طائفية ضد العلويين، أطلقها بعض أئمة الجوامع الموالين لهيئة تحرير الشام.
ونتج عن هذه الحملة، انتهاكات جسيمة بحق المدنيين وحقوقهم. الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) وثّقت مقتل 1034 شخصاً خارج نطاق القانون بين 6 و15 آذار، من بينهم 439 قُتلوا على يد المتمردين و595 على يد قوات مرتبطة بالحكومة الانتقالية.
في صنوبر جبلة، وهي قرية تقع في ريف جبلة الشمالي الشرقي ضمن ناحية البهلولية بمحافظة اللاذقية، بدت آثار الاجتياح جلية منذ اللحظات الأولى. عشرات المنازل أُضرمت فيها النيران بعد نهب محتوياتها، والمحلات التجارية تحوّلت إلى أطلال سوداء، في القرية سُجّل، بحسب شهادات من الأهالي جمعها مراسل سيريا ريبورت، مقتل نحو مئة مدني خلال ساعات قليلة فقط بعد دخول قوات وزارة الدفاع. كان المشهد في بعض الشوارع يوحي بعملية اقتلاع شاملة للناس وممتلكاتهم.
من مدينة بانياس الساحلية، الواقعة جنوب محافظة طرطوس والمطلة على البحر المتوسط، نُقلت شهادات متطابقة عن دخول مجموعات تابعة لوزارة الدفاع إلى حي القصور، حيث نُفذت عمليات قتل عشوائية وعمليات اقتحام للمنازل. غادرت المجموعات لاحقاً، تاركة الشوارع غارقة بالجثث، فيما نقل الشهود روايات مريعة عن أشكال الإذلال الذي تعرّضوا له لفظياً وجسدياً.
في قرى اسطامو وعين العروس في ريف القرداحة، لم يكن أمام الأهالي من خيار سوى الفرار إلى الحقول. في هاتين القريتين، أُحرقت كثير من المنازل. وشهد أحد الأهالي على إعدامات ميدانية نُفذت في الأراضي الزراعية التي لجأ إليها الناس.
في الشلفاطية، وهي قرية تقع في الريف الشرقي لمدينة جبلة، ضمن ناحية القطيلبية بمحافظة اللاذقية، بلغ عدد القتلى، بحسب شهادات من الأهالي جمعها مراسل سيريا ريبورت، 45 شخصاً، بينما لا يزال نحو عشرين في عداد المفقودين. عشرة منازل التهمتها النار كلياً، ومنازل أخرى أُحرقت جزئياً. لم يسلم متجر أو كشك من النهب أو الحرق، بما في ذلك تلك التي لم ليس فيها سوى صناديق خضار أو برادات صغيرة. الخدمات غابت تماماً، لا كهرباء، لا دواء، لا صيدليات. الناس تعتمد على ما تبقى من خيرات الأرض، وعلى مساعدات الإغاثة التي وصلت بعد أيام، وبشكل محدود.
تفيد روايات متقاطعة من الأهالي بأن قرار النهب والحرق لم يكن فردياً. العناصر التي نفّذت الاقتحامات لم تكن تتردد في ارتكاب الانتهاكات، ولم تكن تنتظر تعليمات من قيادة العمليات. البيوت كانت تُقتحم وتُسرق ثم تُحرق، وأغلب تلك التي احترقت كانت قد شهدت إعدامات ميدانية قبل ذلك. بعض العائلات التي فقدت منازلها التجأت إلى أقاربها، دون أي وسيلة للترميم أو حتى للانتقال إلى المدينة.
وسائل التدمير ذاتها تم استخدامها في جميع القرى والبلدات؛ مشاعل لإضرام النيران في المنازل، وقنابل يدوية تُلقى داخلها، وأيضاً داخل السيارات، أو لنسف الآليات الزراعية. ما يشير إلى أن الأحداث، لم تكن مجرد انتهاكات فردية قام بها عناصر غير منضبطين، كما تروج دعاية هيئة تحرير الشام ووزارة دفاعها، بل حملة تدمير منهجية لممتلكات الناس.
في قرية المختارية، الواقعة شمال شرق محافظة اللاذقية قرب الحدود الإدارية مع سهل الغاب، الحديث لم يعد عن نهب أو حرق فقط، بل عن اختفاء تام تقريباً للسكان. من تبقى توزّع على قرى قريبة مثل جبريون ودميون، الواقعتين في ريف القرداحة، جنوب المختارية. الناجون يصفون ندرة الرجال الناجين، وندرة المنازل التي بقيت على حالها.
في الخريبة، وهي قرية صغيرة تقع جنوب شرق البهلولية، النهب لم يتوقف حتى لحظة إعداد هذا التقرير. القرية خالية، وسكانها لا يجرؤون على العودة أو حتى الاقتراب منها.
إلى كل ذلك، تضاف الحرائق المتزامنة التي التهمت محيط عشرات القرى. أكثر من شاهد أكد أن هذه الحرائق لم تكن عرضية. في بعض المقاطع المصورة، يظهر فيها عناصر من قوات وزارة الدفاع، وهم يشعلون الحرائق عمداً، مع ترداد شعارات انتقامية طائفية. الحرائق استُخدمت ضد الأراضي الخاصة المزروعة والمشجرة، وأيضاً ضد الأحراج حول القرى والبلدات. الدفاع المدني السوري أكد استمرار تعامله مع ثماني حرائق كبرى، لكنه أشار إلى تعرض سيارات الإطفاء لكمائن وإطلاق نار منعها من الوصول.
تمكن مراسل سيريا ريبورت من زيارة بعض هذه القرى بعد توقف المعارك، وجمع شهادات من الأهالي والناجين، كما تابع تقارير فرق الإغاثة والمنظمات المحلية التي دخلت إلى المنطقة بإذن من وزارة الدفاع يوم 14 آذار.
مع انحسار العمليات العسكرية في 13 آذار، دخلت فرق إغاثة محدودة إلى بعض القرى. لكن حجم الخسائر فاق قدرة أي استجابة طارئة. الكارثة بدت أكبر من أن تُقاس بعدد البيوت المحروقة، أو عدد الجثث الموثقة. إنها ضربة عميقة للحياة اليومية للناس، لتوازنهم، لأمانهم، ولحقهم الأساسي في السكن والمعيشة والكرامة.
ورغم تشكيل لجنة تحقيق، وإلقاء القبض على بعض المقاتلين الذين صوّروا أنفسهم وهم يرتكبون مجازر، إلا أنه لم يصدر عن أي جهة رسمية أو عسكرية ضمن الإدارة الانتقالية أي إعلان يتعلق بخطط للتعويض، أو ترميم المناطق المنكوبة، أو إعادة توطين من فقدوا بيوتهم.
