نقابة المهندسين تعرض برنامجاً لإعادة الإعمار وسط تحفظ حكومي
قدمت نقابة المهندسين السوريين خلال هذا العام برنامجها التفصيلي لإدارة عملية إعادة الإعمار المتوقعة، إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان بوصفها رؤية النقابة الرسمية لملف الإعمار. يعرض البرنامج إنشاء هيئة مركزية مرتبطة برئاسة الجمهورية، وتنفيذ مسح شامل للأضرار، وتطوير المخططات التنظيمية، إلى جانب مقترحات لتخفيض الأتعاب الهندسية ومذكرات تفاهم مع وزارات متعددة. وتعرض النقابة هذا البرنامج بوصفه الإطار الذي يمكنها من المشاركة في مختلف مراحل الإعمار، في وقت يشير فيه خبراء عقاريون إلى أن التعامل مع هذا الملف ما يزال محكوماً بقرارات الحكومة التي تعتبره مجالاً استراتيجياً لا يتيح مشاركة واسعة للنقابات المهنية.
بحسب ما قاله لسيريا ريبورت نقيب المهندسين مالك حاج علي، يركز برنامج النقابة، وهو وثيقة مؤلفة من 40 صفحة أُعدّت نسختها الأولى في شباط ثم طُوّرت في أكتوبر، على وضع آلية وطنية لإدارة الإعمار عبر ثلاث مراحل مترابطة. تبدأ المرحلة الأولى بإجراء توثيق عقاري شامل يهدف إلى تثبيت الملكيات في المناطق التي تعرضت للدمار، بما يمنع ظهور نزاعات قضائية لاحقاً. أما المرحلة الثانية فتقوم على تنظيم مشاركة مؤسسات الدولة في عملية الإعمار عبر ربط البنى التحتية والخدمات الأساسية في مسار واحد، باعتبار أن إعادة الإعمار تتطلب معالجة شبكات المياه والصرف الصحي وبقية المرافق بالتوازي مع إعادة بناء المساكن والمنشآت. وتتمثل المرحلة الثالثة في تأمين مصادر للتمويل من جهات محلية أو دولية، باعتبارها شرطاً لبدء أي خطة واسعة النطاق. ويستند البرنامج أيضاً إلى تقديرات لحجم الضرر على مستوى البلاد، ويضع تصوراً لآلية تقييم الأضرار وتحديد مستوى الهدم الكلي أو الجزئي قبل تقرير أسلوب المعالجة الهندسية لكل مبنى.
تطرح النقابة في سياق البرنامج سلسلة من مذكرات التفاهم التي تقول إنها قيد التوقيع مع وزارات الإدارة المحلية والبيئة، والأشغال العامة والإسكان، والشؤون الاجتماعية والعمل، إضافة إلى اتفاق محتمل مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتشمل هذه المذكرات مقترحات بتخفيض الأتعاب الهندسية للمنازل المتضررة بفعل القصف وللمشاريع العمرانية على نحو يتراوح بين 30-50 بالمئة، بما يشمل أيضاً مشاريع المدن الصناعية بهدف تشجيع الاستثمار. كما تعرض النقابة تقديم تخفيضات مماثلة للجمعيات السكنية التي تنفذ مشاريع السكن التعاوني، وتوفير خبراتها الهندسية لعمليات مسح الأضرار التي يعمل عليها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وترى النقابة أن هذه الحزمة من التخفيضات والخبرات الفنية يمكن أن تتيح لها دوراً أوسع في مرحلة الإعمار، خصوصاً في ما يتعلق بإعداد الدراسات والمخططات وتقديم الدعم الفني للمشاريع السكنية والخدمية.
تتوسع النقابة في برنامجها لتشمل جانباً مرتبطاً بالمخططات التنظيمية، حيث تبدي استعدادها لوضع مخططات جديدة للمناطق التي لم تكن مشمولة سابقاً بأي تنظيم عمراني، إلى جانب تطوير المخططات المطبقة حالياً. ويقول حاج علي إن النقابة اقترحت على محافظة دمشق إعداد مخططات تنظيمية تمتد من محور دمر إلى منطقة العجيلة، باعتبار أن هذه المساحات ما تزال خالية ويمكن إدراجها ضمن رؤية عمرانية حديثة. وتشير النقابة إلى أن هدف هذه المخططات هو الانتقال نحو نماذج تنظيمية أكثر توازناً على المستوى المدني والحضري والبيئي، وبما ينسجم مع متطلبات التنمية التي يتطلبها تنفيذ مشاريع الإعمار على المدى الطويل.
تشارك نقابة المهندسين أيضاً في لجنة حكومية شكّلتها مؤخراً وزارة الأشغال العامة والإسكان بهدف تنفيذ مسح وطني للأضرار. ويرأس اللجنة وزير الإسكان، وتضم في عضويتها ممثلين عن النقابة بينهم النقيب وأمين السر وعضو من مجلس النقابة، إلى جانب معاوني الوزير والمدير العام للشركة العامة للدراسات الهندسية ومدير هيئة التخطيط الإقليمي، إضافة إلى ممثلين عن برنامج المؤول التابع للأمم المتحدة. وعقدت اللجنة نحو ثمانية اجتماعات خلال الأشهر الماضية، وبدأت العمل على تقييم الأضرار التي طالت الأبنية العامة والخاصة، عبر تصنيفها بين دمار كلي أو شبه كلي أو جزئي، قبل تحديد آلية المعالجة الهندسية لكل فئة. وخلال اجتماعات اللجنة، طُرحت دعوات لتوسيع المشاركة إلى جهات حكومية إضافية مثل الجهاز المركزي للإحصاء ووزارتي الإدارة المحلية والبيئة والصحة، على أن تُعلن نتائج عملية أولية لأعمال المسح خلال الفترة المقبلة.
البنك الدولي قدّر في تقريره حول الأضرار وإعادة الإعمار المنشور في آب 2025، أن كلفة إعادة الإعمار في سوريا تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مع اعتبار 216 مليار دولار تقديراً مركزياً حذراً للكلفة الواقعية. لكن، النقابة تقدّر حجم التمويل المطلوب لعملية الإعمار بمبالغ تتجاوز 750 مليار دولار، وفق ما يقوله أمين سرها رصين عصمت، لسيريا ريبورت. ويعتبر عصمت أن الأرقام التي أوردها البنك الدولي لا تعكس حجم الدمار الفعلي. وتشير النقابة إلى أن العملية لا تقتصر على ترميم المساكن المتضررة، بل تشمل إعادة بناء مدن كاملة ووضع مخططات تنظيمية جديدة لها. ويرى عصمت أن تسوية المشكلات المالية المتعلقة بالتحويلات المصرفية وإعادة تشغيل نظام السويفت يمكن أن تختصر مدة الإعمار إلى نحو خمس سنوات، على اعتبار أن توفر التمويل الخارجي سيؤدي إلى تدفقات مالية سريعة نحو المشاريع العمرانية.
في المقابل، يقدّم خبراء عقاريون قراءة مختلفة للدور الذي تقول النقابة إنها مستعدة للاضطلاع به. ويرى الخبير العقاري عمار يوسف، في حديثه لسيريا ريبورت، أن النقابة يفترض أن تكون جهة رئيسية في إدارة مشاريع الإعمار، إلا أن واقع عملها ما يزال محدوداً بفعل القيود التي تفرضها الحكومة على الوصول إلى هذا الملف. ويقول يوسف إن السلطات تعتبر الإعمار مجالاً استراتيجياً لا يُسمح لجهات مهنية خارج المؤسسات الحكومية بالتدخل فيه، الأمر الذي يجعل دور النقابة أقرب إلى الاستشارة منه إلى المشاركة الفعلية في صنع القرار. ويشير إلى أن غياب هذا الدور يعطّل استفادة الحكومة من الخبرات الهندسية المتوفرة لدى النقابة، رغم العدد الكبير من المهندسين المسجلين فيها ورغم ما تعرضه من تخفيضات وخبرات فنية يمكن أن تساهم في تسريع مراحل الإعمار.
