نزاع على ملكية سوق الهال في عامودا بريف الحسكة
بدأت بلدية عامودا بمحافظة الحسكة، والتابعة للإدارة الذاتية شمال شرق سوريا، نهاية تموز، إخلاء محلات سوق الهال المخصص لبيع الخضار والفواكه والأجبان واللحوم، في مركز المدينة، وإعادتها إلى أصحابها تنفيذاً لحكم قضائي صادر عام 1997. وأثار ذلك مطالبات من شاغلي المحلات الحاليين بالحصول على تعويض قبل الإخلاء.
أُقيم سوق الهال في عامودا، على جزء من أرض تبلغ مساحتها 33 دونماً، تعود ملكيتها إلى عائلات سريانية كان أصحابها قد جعلوها وقفاً للكنيسة منذ ستينات القرن الماضي. وكان يفترض أن تخضع تلك الأرض لإدارة مجلس الكنيسة، أو الأبرشية، لكنها ظلت مسجلة بأسماء أصحابها الأصليين، ولم تسجل أنها وقفية في الصحف العقارية لتلك الأراضي. في أواخر الثمانينيات، استولت بلدية عامودا على الأرض مستغلة خلوها من الإنشاءات. البلدية أعطت تلك الأرض ما بين العامين 1989 و1990 عبر وثائق “هبة” لتجار لإنشاء سوق هال مؤقت فيها. والهبة قانوناً تكون من دون بدل، لكن البلدية فرضت مقابلاً قيمته حينها ألف ليرة سورية للمتر المربع الواحد، ما يعتبر خطأ قانونياً. اتفقت البلدية حينها مع هؤلاء التجار على أن يبنوا محال مؤقتة، من الخشب والتبن، إلى حين تخصيص أرض بديلة لهم في منطقة عقارية أخرى. ومع مرور الزمن، تحوّلت المحلات المؤقتة إلى منشآت دائمة يبلغ عددها 47 محلاً، وأصبحت تُباع وتُشترى بعقود برانية قطعية، وارتفعت قيمتها إلى ما بين 15 و40 ألف دولار للمحل الواحد.
في العام 1997 حصل وكلاء عن أصحاب الأرض السريان، على حكم قضائي عن محكمة الصلح المدني في عامودا بإثبات ملكيتهم لها. ومنذ ذلك الوقت حاول أصحاب الأرض استعادة حيازتها، لكن شاغلي المحلات رفضوا إخلائها أو التخلي عنها. وبعد عام 2014، ومع حلول بلدية الشعب التابعة للإدارة الذاتية محل بلدية النظام، أعاد المالكون مطالبتهم بتنفيذ الحكم القضائي واسترداد حيازتهم للأرض.
وتستعد بلدية الشعب في عامودا لإنشاء سوق هال جديد على مساحة 13 دونماً قرب المنطقة الصناعية يضم 48 محلاً بسعر 15 ألف دولار للمحل الواحد، وفق ما صرّح به محمد خير شوكت، رئيس اتحاد سوق الهال في المدينة، لإذاعة آرتا المحلية. وأوضح محمد العمري، الرئيس المشترك لبلدية عامودا، لنفس الإذاعة، أن البلدية ستقترح على المتعهد المنفذ، اعتماد نظام الدفعات والتقسيط لتخفيف العبء المالي عن الباعة، مشيراً إلى أن إنشاء السوق وتنظيم الأسواق الشعبية يقع ضمن مسؤولياتها.
في المقابل، يعتبر المتضررون من القرار أن هذا الإجراء التفاف على القانون الذي يُلزم البلدية، بصفتها الجهة المتسببة بالضرر، بتعويضهم عن خسائرهم المادية. إذ يرفض أصحاب المحلات في سوق الهال الحالي تنفيذ قرار الإخلاء قبل الحصول على تعويض عادل. ويقول أحد التجار، يُعرف بأبي كاوا، إنه اشترى عام 1989 محلاً بمساحة 21 متراً مربعاً، ويطالب بأن يُعوّض بمحل جديد مساوٍ في المساحة ضمن المشروع الجديد، مع استعداده لدفع فرق السعر في حال كانت المساحة أكبر. فيما يتمسك آخرون بالحصول على تعويض نقدي من البلدية وفق الأسعار الرائجة للعقارات، معتبرين أن القرار الجديد محاولة لإجبارهم على شراء محلات في السوق المزمع إنشاؤه، الذي لا يعلم أحد لمن تعود ملكية أرضه، وأن الهدف من الإخلاء تجاري بحت. ويضيف أحد الباعة أن من المفارقات أن يُطلب منهم شراء محلات جديدة في موقع غير حيوي بعد أن طُردوا من محلاتهم التي اشتروها قبل عقود.
من جهة أخرى، يرى المالكـون السريان والكنيسة أن بلدية عامودا تتحمل مسؤولية التعويض عن الضرر اللاحق بشاغلي المحلات، باعتبارها الجهة التي تصرفت بالأرض سابقاً دون وجه حق، حين حاولت البلدية استملاكها وبيعها. وكانت الكنيسة قد اقترحت خلال عامي 1998 و1999 تقاضي أجور الأوقاف عن المحلات المشادة على الأرض الموقوفة بدل إخلائها، غير أن أصحاب المحال رفضوا ذلك واستمروا في دفع رسوم الكهرباء والمالية فقط. وتتولى لجنة حماية أملاك المسيحيين متابعة أي تعديات على أملاك الأفراد الغائبين، سواء بناء على طلب من وكلائهم أو بمبادرة منها عند علمها بوقوع التعدي. وتطالب اللجنة بإعادة الأرض لأصحابها، وتؤيد مطالبة الكنيسة بالإخلاء.
ويُعدّ تصرف البلدية القديمة من قبيل الإثراء دون سبب، ما يستوجب التعويض استناداً إلى المادة 180 من القانون المدني السوري التي تقول بأن كل من يثري بدون سبب مشروع على حساب شخص آخر، يلتزم بتعويضه عما لحق به من خسارة. وفي ظل غياب أي آلية واضحة للتعويض، يُرجَّح أن يلجأ المتضررون إلى رفع دعاوى فردية أمام المحاكم، بعد أن أخفقت عرائض التظلّم التي قُدمت إلى المكتب القانوني في البلدية في تحقيق أي استجابة.
