نازحون أكراد يرفضون إخلاء بعض منازل الآشوريين الشاغرة في ريف الحسكة
الآشوريون أقلية عرقية مسيحية، تقطن تاريخياً عشرات القرى في حوض نهر الخابور شمال غربي محافظة الحسكة. وقد عانت مناطق سكن الأشوريين، الخاضعة منذ العام 2014 لسيطرة الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، من حركة نزوح مركبة؛ إذ نزح سكانها عنها بسبب هجمات تنظيم داعش الارهابي في العام 2015، ثم وفد إليها مهجّرون قسرياً أغلبهم من الأكراد نتيجة عمليات الجيش التركي في مناطق مختلفة من الشريط الحدودي مع سوريا.
النازحون الأكراد سكنوا بيوتاً شاغرة تركها الآشوريون خلفهم، وما زال بعضهم يرفض إعادتها لأصحابها لحد اليوم. ورغم المناشدات الكثيرة التي قدمها الآشوريون وهيئاتهم، للإدارة الذاتية لاستعادة عقاراتهم، لا يزال بعض الوافدين يشغل قرابة 140 منزلاً ومحلاً تجارياً وأرضي زراعية في قرى تل بالوعة، تل سكرى، تل طويل، أم غرقان، تل جزيرة، تل جمعة، أم الكيف، السفح، العريشة، تل هرمز وقبر شامية. الوافدون يسكنون تلك البيوت، ويمارسون نشاطات تجارية في تلك المحال، وأنشطة زراعية من فلاحة وحصاد للأراضي الشاغرة. بعضهم قام بتوسيع المنازل المستولى عليها. كما تستولي قوات سوريا الديموقراطية على عقارات لغائبين آشوريين في ريف تل تمر.
قبل العام 2011، كان عدد الآشوريين في حوض الخابور يقدر بنحو 30 ألف نسمة موزعين على 33 قرية وبلدة، في محيط مدينة تل تمر التي تعتبر موطنهم الرئيسي. الآشوريون يتبعون دينيا لكنيسة المشرق الآشورية، ولهم أحزابهم السياسية، ومنها ما هو مؤيد أو معارض للنظام. وقد هاجر خلال السنوات الماضية الكثير منهم إلى أوروبا وأميركا، وأيضاً إلى المدن الرئيسية السورية كدمشق وحلب.
النزوح الأكبر للآشوريين حدث في 23 شباط 2015، عندما تعرضت 15 قرية يسكنونها في محيط مدينة تل تمر، لهجوم مسلح من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، فنزح عنها حوالي 11,000 شخص. التنظيم خطف أكثر من 200 آشوري/ة واحرق الكنائس في تلك القرى، وقتل حوالي 20 شخصاً. منازل المدنيين تعرضت للتخريب والسرقة. أغلب سكان تلك القرى نزحوا نحو مدن القامشلي والحسكة والمالكية، في مناطق الإدارة الذاتية، ومنهم من هاجر خارج سوريا. في أيار 2015 شنت قوات سوريا الديمقراطية والمجلس العسكري السرياني (ميليشيا عسكرية تعمل في مناطق الإدارة الذاتية في محافظة الحسكة، وتضم سرياناً وآشوريين) هجوماً مضاداً استعادت معه تلك القرى. ولكن لم يعد من النازحين الأشوريين الـ11 ألفاً سوى قرابة ألف نازح.
مع استعادة تلك القرى من داعش، تأسس “مجلس الحرس الخابوري”، كهيئة مدنية تضم شخصيات ووجهاء وأعيان ورجال دين مسيحيين آشوريين، لحماية الأملاك الشاغرة في تلك القرى، من أي تعديات. وليس لتلك الهيئة من صلاحيات قضائية، ومع ذلك اردفتها الإدارة الذاتية بقوة عسكرية للمساهمة في تنفيذ قراراتها. ولتلك الهيئة نقاط تفتيش وتحقيق مع الغرباء عن منطقة حوض الخابور، وتعمل على حماية الأملاك الخاصة، وتتلقى الشكاوى، وتحوّل المتعدين إلى المحاكم المختصة، وتعيد العقارات المغصوبة لأصحابها.
مجلس الحرس الخابوري يعتبر رديفاً لـ”لجنة حماية أملاك الغائبين السريان والأشوريين والأرمن” التابعة للإدارة الذاتية، التي سبق وتشكلت بموجب المرسوم رقم 20 لعام 2015. والهيئة مدنيّة لها فروع في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، وتتدخل فقط أمام محاكم الإدارة الذاتية في النزاعات القضائية التي يكون أحد أطرافها من المسيحيين الغائبين. وتتلقى اللجنة شكاوى تتعلق بغصب عقارات الغائبين أو إشغالها، كما تنظر في طلبات مُستأجرين أملاك المسيحيين الغائبين بخصوص بدلات الإيجار والفروغ والإخلاء.
في العام 2018 سيطرت فصائل معارضة مدعومة من تركيا، على كامل منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية بريف حلب الشمالي الغربي، في عملية “غصن الزيتون”، ما تسبب بنزوح جزء كبير من سكانها الأصليين ومعظمهم من الأكراد. جزء كبير من أولئك النازحين توجهوا إلى مناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا، وسكن بعضهم في البيوت الشاغرة التي تركها النازحون الآشوريون في القرى الـ15، بعدما وافق مطران كنيسة المشرق مار أفرام أثنيل، على استضافتهم بشكل مؤقت.
في تشرين الأول 2019 سيطرت فصائل الجيش الوطني المعارضة، المدعومة من تركياً، على شريط حدودي بين سوريا وتركيا يضم مدينتي تل أبيض في الرقة ورأس العين في الحسكة، شمال شرقي سوريا. أيضاً، أعقب ذلك حركة نزوح كبيرة لسكان المنطقة من العرب والكرد، وتوجه قسم منهم باتجاه القرى الآشورية الـ15. وأيضاً، بموافقة مطران كنيسة المشرق مار أفرام أثنيل، جرت استضافة النازحين وتوزيعهم على البيوت الشاغرة في قرى حوض نهر الخابور. النازحون رمموا المنازل الشاغرة، والمتضررة بفعل العمليات القتالية في العام 2015.
في العام 2022، استولى 300 نازح من مدينتي رأس العين وتل أبيض على بيوت شاغرة في قرية تل نصري، أغلب أصحابها من المغتربين، الذين استعانوا بقوة عسكرية تابعة لحزب الاتحاد السرياني “السوتورو” المدعومة من قوات سوريا الديمقراطية، والتي تمكنت من استعادة تلك العقارات. كما عملت لجنة حماية أملاك الغائبين السريان والأشوريين والأرمن، على إقناع الادارة الذاتية بإخلاء قرى الآشوريين من النازحين وإيجاد مأوى آخر لهم، وقد تمكنت اللجنة ما بين العامين 2022-2023 من إقناع مجلس بلدية تل تمر بإخلاء الكثير من المنازل الشاغرة التي استولى عليها نازحون.
ولكن مع طول مدة سكنهم، بدأ أصحاب العقارات بالتخوف من صعوبة استعادتها. إذ لا توجد عقود تأجير أو اعارة بين النازحين الوافدين، وبين أصحاب العقارات. أحد أصحاب العقارات قال لسيريا ريبورت، إن “الأمر خرج عن إطار الاستضافة، ولم يعد خدمة انسانية مؤقتة”.
محاكم الإدارة الذاتية تنظر في قضايا غصب العقارات. عقوبة الغصب بحسب قانون العقوبات الصادر عن الإدارة الذاتية في العام 2023، تصل إلى سنتين سجناً، وهي من أكثر الشكاوى التي ترد إلى النيابة العامة في مناطق الإدارة الذاتية. وغصب العقار هو الاستيلاء على ملك الغير دون رضاه، أو وضع اليد على ملك الغير من دون توفر سند قانوني بالملكية. إلا أن الازدواج القضائي، بين محاكم وزارة العدل التابعة لدمشق، وتلك التابعة للإدارة الذاتية، يُعقّد الإجراءات الواجب اتخاذها لاسترداد تلك العقارات المغصوبة. وإذ عدا عن اقتصار مجال تأثير المحاكم والدوائر الحكومية التابعة لحكومة دمشق، على بعض مراكز المدن الرئيسية في شمال غرب سوريا، فإن الفساد يشوب عملها.
وتتطلب استرداد حيازة عقار من شاغليه، تقديم طلب إلى لجنة الصلح أو اللجان القضائية الخاصة التابعة للإدارة الذاتية. في حالة المالكين في قرى الخابور يتم التقدم بالاعتراض إما أمام مجلس حرس الخابور، أو أمام لجنة حماية املاك الغائبين المسيحيين، مرفقاً بسند ملكية، أو خمسة شهود، أو وكالة حصرية من صاحب العقار مصدقة من أحد ممثليات الادارة الذاتية أو سفارات النظام السوري في الخارج. وبعد دراسة الطلب، يمكن للجنة إصدار قرار إخلاء العقار لصالح المالك. كما يمكن لصاحب العقار، رفع دعوى بجرم غصب عقار في المحكمة مباشرة، أمام محاكم الادارة الذاتية كونها تمتلك ضابطة تنفيذية فعالة، ولكن ذلك يستغرق أكثر من عامين، بحسب بعض المالكين الذين استعادوا عقاراتهم.
