موجة استثمار في الأبنية المهدّمة ترفع أسعار الطوابق السفلية شرقي حلب
تشهد الأحياء الشرقية من مدينة حلب، التي ما تزال تضم مئات الأبنية المتصدّعة والمهدّمة منذ الحرب، حركة تجارية متنامية رفعت أسعار وإيجارات الطوابق الأرضية والأقبية، رغم أنها ما تزال أقل بكثير من نظيرتها في حلب الغربية. ودفع ذلك بمستثمرين محليين إلى شراء أو استئجار أو الاستيلاء على الطوابق السفلية في الأبنية المتضرّرة لتحويلها إلى محال وشركات صغيرة، رغم ما تشكّله من أخطار إنشائية وافتقارها إلى شروط السلامة العامة.
ويستفيد المستثمرون من الكثافة السكانية المرتفعة في الأحياء الشرقية ومن تعافي الحركة التجارية فيها تدريجياً بعد سقوط نظام الأسد. يقول أبو رمضو، أحد الباعة في حي الصالحين، أنه حصل على موافقة زوج أخته المقيم في ألمانيا، لتحويل جزء من بيته بمساحة 20 متراً مربعاً، في الطابق السفلي من بناء مهدّم إلى متجر لبيع المواد الغذائية. وأشار إلى أن الكثافة السكانية المرتفعة في المنطقة تجعل من أي نشاط تجاري فيها ذا جدوى اقتصادية مقبولة رغم المخاطر. يضيف أبو رمضو: “وجدت في البداية صعوبة بسبب تهدم البناء، لكن الفكرة رأت النور، وها أنا أسترزق من المحل”.
يقول تاجر العقارات حسين بركات في حي المرجة لمراسل سيريا ريبورت في حلب، أن هناك صعوبة بالغة في شراء جميع الشقق في البناء المهدم بالحي، بسبب غياب بعض أصحابها خارج البلاد، والحل الأمثل بشراء الطابق الأرضي فقط لتحويله الى محال تجارية. بركات اشترى طابقين أرضيين في مبنين مختلفين، بمساحة اجمالية 480 متراً مربعاً، وبسعر وسطي مقداره مليون ليرة سورية للمتر (نحو 87 دولار)، ويعمل حاليا على ترميمهما كمحال تجارية.
وفي حي المعادي المجاور، اشترى الفوّال أبو عبدو حايك محلاً تجارياً تعلوه شقق مهدّمة جزئياً، ولا سيما في واجهته الأمامية، وحوّله إلى محل لبيع الفول والفلافل. ويقول إنّه حصل على المحل “بسعر التراب” (بسعر 25 دولاراً للمتر الواحد) من مالكه المقيم في تركيا، من دون أن يولي اهتماماً بالمخاطر الناتجة عن تضرر البناء. ويضيف أنّ زيادة عدد الشقق المأهولة في الحي خلال الأشهر التي تلت سقوط النظام ساهمت في انتعاش الحركة التجارية وارتفاع الطلب على الطوابق السفلية.
في حي السكري، وبالقرب من الطريق الدائري الجنوبي، تنتشر مبانٍ متصدعة حُوّلت طوابقها الأرضية إلى محالّ تجارية، أُعيد ترميم بعضها بشكل جزئي فيما بقي بعضها الآخر وسط الركام. وقدر قاطنون في حي السكري عدد أبنيته المهدمة كلياً أو جزئياً بـ200 بناء، وبما يعادل ثلث عدد أبنية الحي، على حين ناهز عدد المحال التجارية المنشأة حديثاً ضمن تلك الأبنية 30 محلاً. ويتكرر المشهد ذاته في أحياء الفردوس والمرجة وباب النيرب والشعار والصاخور والحيدرية ومساكن هنانو وطريق الباب ومنطقة جسر الحج، حيث بات استثمار الطبقات السفلية في الأبنية المهدّمة ظاهرة واسعة، مدفوعة بتحسّن نسبي في النشاط التجاري المحلي وغياب أي رقابة فنية من السلطات. وقد ارتفعت أسعار الطوابق السفلية في هذه المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، وفق تقديرات أصحاب مكاتب عقارية تحدثوا لسيريا ريبورت، بمقدار الضعف لتلامس 400 مليون ليرة في الشقة التي تصل مساحتها الى 120 مترا مربعا، ويلعب الحي وموضع البناء ونسبة تضرره، دورا في تحديد السعر.
وعلى الطريق الدائري الشمالي، قرب نهاية حي الميدان من الجهة الشرقية، يبرز مبنى الحريتاني عند مفرق بستان الباشا مثالاً واضحاً على هذا الاتجاه. البناء الضخم، الذي شهد أعنف المعارك بين قوات المعارضة والقوى الإسلامية، وبين قوات نظام الأسد 2012-2016، تحوّل طابقه الأرضي والأول إلى محالّ وشركات تجارية رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت به. ورغم أن آثار القصف ما تزال ظاهرة على جدرانه، إلا أنّ صمود هيكله أغرى مستثمرين باستثماره، ليصبح أحد أبرز نماذج التوجّه نحو الاستثمار في الأبنية المهدّمة شرق حلب.
ويلفت محمد لسيريا ريبورت أنه اشترى مساحة 30 متراً مربعاً مطلة على الشارع الرئيسي في الطابق الأول من البناء المجاور لبناء حريتاني، وأضاف أنه حصل على ترخيص ترميم حصته من البناء. لكن أحد الجوار قال لسيريا ريبورت إن الحصول على ترخيص ترميم في مثل هذه الأبنية أمر مستحيل. إذ يجب تقديم وثائق وتقارير هندسية تثبت السلامة الإنشائية لأي بناء ضمن المناطق المنظمة، قبل السماح بإجراء ترميمات داخلية وإصلاحات بسيطة فيه، مثل استبدال شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي، التبليط والدهان. لكن تأمين مثل هذه الوثائق غير وارد في الكثير من أحياء حلب الشرقية لأنها عبارة عن عشوائيات غير منظمة وأغلب أبنيتها غير مرخصة.
ولا يقتصر الأمر على مبنى الحريتاني، إذ باتت هذه الممارسات منتشرة في مختلف أحياء المدينة الشرقية. ويقول صاحب شركة مقاولات، إنّ صعوبة الترخيص التجاري في أحياء القسم الغربي من المدينة، دفع كثيرين إلى التوجّه نحو الأبنية المهدّمة في الأحياء الشرقية لاستثمارها تجارياً. ويضيف أن الطوابق السفلية الأمامية في معظم الأبنية المتضرّرة تحوّلت إلى محالّ فخمة اشتراها تجار أبنية بأسعار متدنية، وعوّضوا أصحاب الشقق بمبالغ لا تعكس قيمتها الحقيقية.
هذا التوسع ترافق مع غياب شبه كامل للرقابة الفنية وتراخٍ في تطبيق شروط السلامة العامة. وبات تشغيل المحالّ في الطوابق المتضرّرة يجري على نحوٍ غير رسمي، مستفيداً من ضعف المؤسسات الإدارية بعد سقوط النظام ومن الحاجة الاقتصادية المتزايدة لدى السكان. ويخشى مهندسون محليون أن يؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى ازدياد خطر الانهيارات، في ظلّ غياب أي خطة لإعادة الإعمار أو لتقييم السلامة الإنشائية للمباني.
