من عفرين إلى القامشلي: مسارات التهجير المكررة
بعد موجة المواجهات العسكرية والاتفاقات المتكررة بين قوات سوريا الديموقراطية، وقوات الحكومة الانتقالية، خلال كانون الثاني الماضي، تقلصت بشكل حاد مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية، وكادت تنحصر حالياً بالمناطق ذات الغالبية الكردية شمال شرقي سوريا. وأعقب ذلك موجات نزوح متسارعة، أعادت رسم الخريطة السكانية للمنطقة، بعدما تحوّلت مدينة القامشلي وبلدة كوباني إلى الوجهة الرئيسية لهذه الموجات، مستقبلتين عشرات آلاف النازحين.
وتوضح الباحثة سوسن رشيد، المنحدرة من عفرين، في حديثها لسيريا ريبورت، أن الغالبية الساحقة من النازحين هم من الكرد، وجزء كبير منهم يتم تهجيرهم للمرة الثانية أو الثالثة. ومن أولئك مهجّري منطقة عفرين غربي حلب، الذين نزحوا عنها بعد عملية “غصن الزيتون” التركية في العام 2018، والذين سبق ونزحوا إلى مناطق متعددة تحت سيطرة الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا. كما تضم موجة النزوح الجديدة مهجّري سري كانيه “رأس العين” وتل أبيض، الذين سبق ونزحوا عنها بعد العملية العسكرية التركية “نبع السلام” في العام 2019، إلى مخيمي واشوكاني والطلائع ومراكز الإيواء في ريف الحسكة.
وفق تقديرات المجموعة التنسيقية للمنظمات المحلية، التي تضم نحو 35 منظمة مدنية تعمل على إغاثة النازحين في القامشلي، حصلت عليها سيريا ريبورت، فقد بلغ إجمالي عدد العائلات النازحة إلى المنطقة قرابة 37 ألفاً و500 عائلة، تركز العبء الأكبر منها في مدينة القامشلي التي استقبلت وحدها نحو 21 ألف عائلة. وفي مدينة كوباني، وصل عدد النازحين إلى ما بين 15 و18 ألف شخص، قدموا من مدن الطبقة والرقة وريف كوباني، في موجات نزوح متلاحقة خلال فترة زمنية قصيرة. ويأتي هذا التدفق وسط أوضاع إنسانية صعبة، وتقديرات تشير إلى أن أكثر من 43 بالمئة من النازحين هم من الأطفال، فيما تتوزع النسبة المتبقية بين النساء وكبار السن والرجال، مع احتياجات متزايدة تشمل الغذاء ووسائل التدفئة والرعاية الصحية.
وبحسب ما قاله لسيريا ريبورت، بلند ملا، المدير التنفيذي لمنظمة التعاون الانمائي والانساني HDC وعضو المجموعة التنسيقية، جرى افتتاح نحو 130 مركز إيواء في مدينة القامشلي، بينها 70 مدرسة، و30 مسجداً، إضافة إلى ما بين 25 و30 مؤسسة تابعة للإدارة الذاتية، إلى جانب أعداد كبيرة من العائلات التي لجأت إلى منازل الأهالي. وتعاني هذه المراكز، ولاسيما المدارس، من نقص حاد في البنية التحتية، إذ تفتقر العديد منها إلى الحمامات والمياه وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن غياب الأبواب والنوافذ في عدد كبير من الصفوف. أما المساجد، فيشير ملا إلى أنها تعاني من اكتظاظ شديد يحد من الخصوصية، إضافة إلى صعوبات كبيرة في التدفئة، خاصة مع موجتي الثلوج اللتين ضربتا المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
ويؤكد بلند ملا أن المجموعة التنسيقية عملت بشكل عاجل على تلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين عبر آليات مجتمعية، وتمكنت من تغطية نحو 60 بالمئة منها، إلا أن هذه الاستجابة تبقى مؤقتة وغير مستدامة. ويشير إلى الحاجة إلى تدخل طويل الأمد، ولاسيما من قبل المنظمات الدولية. ويختم بلند ملا بالتأكيد على الحاجة الملحّة إلى توسيع الاستجابة الإنسانية، بما يشمل إفراغ المدارس والمساجد من النازحين تدريجياً، ودعم خدمات المياه والصرف الصحي، وتأمين الغذاء ومستلزمات الأطفال، وتعزيز الخدمات الصحية، في ظل استمرار موجات النزوح وغياب الحلول المستدامة.
كثير من النازحين اليوم إلى القامشلي وكوباني، هم في الأصل من مدينة عفرين وريفها، ولا تمثّل موجة النزوح الحالية بالنسبة لهم التجربة الأولى من نوعها. فمنذ شنت قوات “الجيش الوطني” وقوات تركية عملية “غصن الزيتون” في العام 2018، دخل أكراد عفرين في مسار طويل من التهجير القسري المتكرر، اتسم بتبدّل أماكن النزوح وتلاشي الاحساس بالأمان والاستقرار.
أحمد، من قرية شيه في ريف عفرين، يقيم اليوم في مركز لإيواء النازحين بمدينة عامودا بريف القامشلي، يقول إن عائلته سبق وتهجّرت أول مرة من عفرين إلى مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في ريف حلب الشرقي، وبقيت هناك سبع سنوات.
بعد المواجهات العسكرية التي حدثت مطلع يناير الماضي في منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وفي ريف حلب الشرقي، فضّل كثير من المُهجّرين العفرينيين، ومنهم أحمد وعائلته، الانتقال إلى مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في محافظة الرقة. إلا أن محاولات أولئك لإعادة بناء حياتهم هناك، اصطدمت مجدداً بالاشتباكات الأخيرة بين قوات الإدارة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، والتي أفضت إلى انسحاب قسد من تلك المناطق.
“في كل مرة نحاول أن نحسّن وضعنا وأن نشعر ببعض الاستقرار، نضطر إلى النزوح من جديد، بسبب الحرب المتنقلة والأنباء المتواترة عن الانتهاكات،” يضيف أحمد. من مدينة الطبقة، تكررت رحلة النزوح باتجاه مدن أكثر أماناً نسبياً في شمال شرق سوريا، غير أن الطريق نفسه لم يكن خالياً من المخاطر. يروي أحمد كيف تعرضت العائلة لإطلاق نار من مدرعة عسكرية، في طريقها إلى الحسكة، وكيف سُرقت جميع مقتنياتها. ويضيف أن العائلة تفرقت خلال رحلة النزوح الأخيرة إلى مدينة الحسكة، واستغرق جمع شملها ثلاثة أيام.
وتصف أم مظلوم المهجّرة بدورها من عفرين أيضاً، والمقيمة حاليا في مدينة عامودا، الخوف نفسه حين تتحدث عن الهجوم الذي تعرضت له العائلة في مدينة الطبقة. وبالنسبة لها، لم يكن النزوح خياراً، بل محاولة للنجاة، في ظل انتهاكات جسيمة شملت القتل، إلى جانب حصار المنطقة وقصفها بالدبابات والمدفعية.
هربت عائلة أم مظلوم في البداية حفاة من مدينة الطبقة، باتجاه مدينة القامشلي، في طقس شديد البرودة. وقضوا ليلتهم في الشارع، قبل أن يفتح بعض الأهالي بيوتهم لإيوائهم. ولاحقاً، انتقلوا إلى مدينة عامودا، حيث تكررت المعاناة نفسها التي عاشها كثير من أهالي عفرين، ممن نزحوا أربع أو خمس مرات خلال سنوات الحرب.
تتقاطع هذه الشهادات مع واقع يعيشه جمعة، وهو مهجّر أيضاً من عفرين، سار مع عائلته سيراً على الأقدام من مدينة الطبقة وصولاً إلى الرقة، ومن هناك، وعبر حافلة، وصل إلى مدينة القامشلي. يقيم جمعة حالياً مع عائلته في مبنى “هيئة الطاقة” التابع للإدارة الذاتية في القامشلي. يجلس جمعة على رصيف المبنى مراقباً صهريجاً يعبّئ المياه للمركز، ويقول لسيريا ريبورت، إنه لا يملك شيئاً، بعد أن جرى الاستيلاء على منزله في عفرين. ويجد نفسه اليوم يعيش مع عائلته المكونة من خمسة أطفال، داخل غرفة واحدة، في ظروف تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.
ويربط حسين سيدو، مدير مجلس مهجّري عفرين في مدينة القامشلي، في حديثه لسيريا ريبورت، هذا التغيير الديمغرافي بتدهور الأوضاع الإنسانية. ويؤكد أن النازحين يعيشون ظروفاً سيئة جداً، ولاسيما أولئك الذين لا يقيمون في مراكز الإيواء واضطروا للجوء إلى عائلات مهجّرة بالأساس. ويشير إلى أن عائلات مهجّرة منذ سنوات في القامشلي تستضيف اليوم عائلات نزحت حديثاً، ما ضاعف الأعباء المعيشية في ظل نقص حاد في الخدمات والدعم.
ويضيف حسين سيدو أن نحو 500 إلى 600 عائلة من مهجّري عفرين اختارت البقاء في مدينة الطبقة، إضافة إلى قرابة 100 عائلة في مدينة الرقة. ويشير إلى أن هذه العائلات تمكنت لاحقاً من العودة إلى عفرين عبر رحلات نظّمتها الحكومة الانتقالية. إلا أن معظم هذه العائلات، بحسب سيدو، وجدت منازلها مستولى عليها عند عودتها من قبل فصائل مدعومة من تركيا وتابعة لوزارة الدفاع، ما اضطرها للإقامة لدى الأقارب أو المعارف.
