ملف الملكيات العقارية في الرقة بين تعاقب السلطات وممارسات أصحاب الحقوق
منذ خروج مدينة الرقة عن سيطرة نظام الأسد في العام 2013، سار التعامل مع توثيق الوقوعات العقارية على مسارين متوازيين. المسار الأول ارتبط بتعاقب سلطات أمر واقع متعددة على مديرية السجلات العقارية، وما رافقه من توقفها عن العمل، نقل وثائقها، واستحداث سجلات بديلة. أما المسار الثاني، فتمثل في الممارسات التي لجأ إليها أصحاب الحقوق لحفظ ملكياتهم، في ظل غياب مرجعية تسجيل مستقرة ومعترف بها.
مدينة الرقة كانت أول مركز محافظة يخرج بالكامل عن سيطرة نظام الأسد في العام 2013، لتخضع لسيطرة فصائل عسكرية تابعة للمعارضة المسلحة، قبل أن تحل محلها خلال أشهر قليلة حركة أحرار الشام الإسلامية. أواخر العام 2014 استولى تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق على المدينة، متخذاً إياها عاصمة لما سمّاه “دولة الخلافة”. في نهاية العام 2017 خاضت قوات سوريا الديمقراطية معركة عنيفة لطرد التنظيم من المدينة، بدعم من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. ولا تزال الرقة منذ ذلك الوقت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب محافظة الحسكة، وأجزاء من محافظة ديرالزور ومناطق في ريف حلب الشرقي والشمالي الشرقي. وتخضع مدينة الرقة لإدارة مجلس الرقة المدني الذي عيّنته الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا.
مرّت عملية الحفاظ على الملكيات العقارية في مدينة الرقة بمراحل متعددة، ارتبطت بشكل مباشر بتعاقب السلطات والقصف الذي تعرضت له مؤسسات المدينة. ويقول موظفون حكوميون سابقون في مديرية السجل العقاري، تحدثوا إلى سيريا ريبورت، إنه بعد سيطرة فصائل المعارضة المسلحة على المدينة في العام 2013، قام موظفو مديرية السجل العقاري، وناشطون، وعناصر من المعارضة المسلحة، بنقل الوثائق العقارية في مديرية السجل العقاري، من المجمع الحكومي إلى مقر البلدية القديم، عقب قصف قوات النظام للمجمع.
خلال سيطرته على المدينة، استحدث تنظيم الدولة الإسلامية سجلات عقارية تستند إلى السجلات القديمة، ولكنها تمهر بأختام “الدولة الإسلامية”. بدوره، سرعان ما تعرض مقر البلدية القديم للقصف من قبل التحالف الدولي خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ما استوجب نقل السجلات العقارية، بما فيها التي استحدثها التنظيم، إلى أقبية مدرسة ابن خلدون. وجرى حفظ السجلات الأساسية والمؤقتة، إلى جانب العقود وسجلات الجمعيات السكنية والسكن الشبابي والادخار، كل منها في غرف منفصلة.
خلال فترة سيطرة داعش على المدينة، ساد التردد بين السكان في توثيق عمليات البيع والشراء لعقاراتهم لدى ما استحدثه التنظيم من سجلات، خشية عدم شرعيتها وما قد يترتب على وجود أختام الدولة الإسلامية عليها من عواقب لاحقة. لذا، لجأ الأهالي في تلك المرحلة إلى توثيق بيوعهم بعقود عرفية في بعض المكاتب العقارية. وكانت تلك العقود تُفصّلُ سلسلة المالكين التي تنتهي عند المالك الأخير للعقار.
بعد طرد التنظيم من المدينة، أنشأت الإدارة الذاتية سجلاً عقارياً مؤقتاً ملحقاً بالبلدية، لتسجيل البيوع والتصرفات العقارية، بالاستناد إلى السجلات العقارية الرسمية القديمة المحفوظة في أقبية مدرسة ابن خلدون. وهذا السجل الجديد بات يُستخدم عملياً لحفظ الحقوق، رغم محدودية قوته القانونية خارج محاكم الإدارة الذاتية.
في نيسان 2023، جهّز مجلس الرقة المدني، التابع للإدارة الذاتية، مبنى قرب مشفى التوليد والأمراض النسائية، ليصبح مقراً للسجل العقاري الجديد. وفي حزيران من العام نفسه، نُقلت جميع السجلات العقارية من أقبية مدرسة ابن خلدون، إلى المبنى الجديد، ليُفتتح رسمياً في 12 آب 2023، تحت مسمى “مكتب السجل العقاري”، وهو تابع لهيئة العدل وهي بمثابة وزارة العدل في الإدارة الذاتية.
وفي الوقت ذاته، تعتمد الإدارة الذاتية مؤسسات إدارية أخرى، من بينها “مكتب التوثيق العقاري” في مقاطعة الرقة، الذي يضم دائرتين، تتولى الأولى الإشراف على عمل السجل العقاري، فيما تتولى الثانية تنظيم الشؤون المالية المرتبطة بتحصيل رسوم بيانات القيد العقارية والمساحية. ويلحق بالمكتب قسم مساحي لتسجيل وتثبيت خرائط الملكيات العقارية في مختلف مناطق المقاطعة. وقد حرصت الإدارة الذاتية، بمساعدة موظفي السجل العقاري القدامى، على الإبقاء إلى حد كبير على التقسيمات الإدارية وإجراءات العمل التي كان يعتمدها السجل العقاري السابق، لضمان قدر من الموثوقية للوثائق الصادرة عنه.
ورغم ذلك، مازال الأهالي يميلون إلى توثيق بيوعهم العقارية لدى الكاتب بالعدل إن وجد، وفي كثير من الأحيان عبر عقود عرفية لا ضامن لشرعيتها سوى الشهود الذين حضروا عمليات البيع ووقّعوا أو بصموا على العقود. وأفرز ذلك ظاهرة تسلسل العقود، بوصفها وثيقة عقارية يتم تداولها في عمليات البيع والشراء للحفاظ على الحقوق، على الرغم من ضعف قوتها القانونية، وهي لا تزال معتمدة حتى اليوم.
