مقترضون مهددون بخسارة مساكنهم
تواصل المصارف السورية العامة مطالبة آلاف المقترضين تسديد القروض السكنية التي حصلوا عليها سابقاً، دون أي اعتبار لتحولات جذرية مست دخلهم ووضعهم الوظيفي بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024. أكثر المتضررين هم الموظفون الذين تم فصلهم بشكل تعسفي بعد انهيار النظام، ممن فقدوا مصادر دخلهم وأصبحوا عاجزين عن سداد أقساط قروضهم، ما يضع عقاراتهم المرهونة تحت خطر الحجز والبيع في المزاد العلني. وبينما تؤكد المصارف أنها لم تتخذ بعد إجراءات قانونية ضد المتعثرين، إلا أن غياب أي تعليمات جديدة يترك المقترضين والكفلاء في حالة ترقّب وقلق شديدين.
تتفاوت التقديرات حول عدد الموظفين الذين تم فصلهم بعد سقوط الأسد، وتراوح بين 300 ألف و600 ألف موظف، جزء وازن منهم من العسكريين. مصدر في أحد المصارف الحكومية قال لمراسل سيريا ريبورت، أن نحو 20% من هؤلاء المفصولين تعسفياً، سبق وحصلوا سابقاً على قروض مصرفية، من ضمنها قروض سكنية، خصوصاً الموظفين المدنيين منهم. ورغم خطورة هذه المؤشرات، فإن المصدر أشار إلى عدم وجود أرقام دقيقة لدى المصارف عن عدد الحاصلين على قروض سكنية تحديداً، موضحاً أن شروط الإقراض المعقدة كانت تشكل عائقاً أمام توسع هذه الشريحة.
على سبيل المثال، لعب المصرف العقاري، وهو مؤسسة عامة تأسست عام 1966، دوراً مركزياً في تمويل شراء وترميم المساكن من خلال تقديم مجموعة من القروض العقارية تحت مسميات متنوعة. وقد اشترط المصرف دوما أن يكون العقار مسجلاً ضمن منطقة منظمة، وتحت سيطرة نظام الأسد، وأن تكون وثائقه العقارية كاملة وخالية من أي مشاكل في التوثيق أو الإفراز. إلى جانب ذلك، فُرضت شروط مشددة على المقترضين، من بينها تقديم بيان قيد عقاري، رخصة بناء، مخطط إفراز، وبيان دخل مصدق. ووفقاً لنوع القرض وقيمته، طُلب من المقترضين تأمين كفلاء من موظفي القطاع العام أو إثبات دخل مرتفع في حال كانوا من أصحاب المهن الحرة. وبعد عدة زيادات متتالية، وصلت قروض الشراء إلى 100 مليون ليرة في العام 2022، تُسدد خلال فترات تتراوح بين 5 و15 عاماً، بفوائد تصل إلى 11.5%، ويغطي القرض عادة 60% من قيمة العقار وفقاً لتقييم المصرف. وتميّز المصرف العقاري أيضاً بقرض خاص بالمكتتبين على المساكن الادخارية ضمن مشاريع السكن الاجتماعي، تُحوّل قيمته مباشرة إلى المؤسسة العامة للإسكان، ويسدده المكتتب لاحقاً على مدى 15 عاماً.
إلى جانب المصرف العقاري، انخرط كلّ من المصرف التجاري السوري ومصرف التسليف الشعبي في منح القروض السكنية منذ العام 2021، بفوائد متفاوتة. شروط الإقراض ظلت شديدة التعقيد، حيث لم يكن راتب الموظف كافياً لتغطية الدفعة الشهرية، ما دفع معظم المقترضين إلى إشراك كفلاء أو شركاء في السداد، أحياناً اثنين، شرط إثبات دخل مرتفع حتى لو كانوا من أصحاب المهن الحرة. وزاد من صعوبة الوصول إلى هذه القروض فرض نسب فوائد مرتفعة وصلت إلى 16% في التسليف الشعبي، وبدأت من 10% في التجاري، ما حمّل المقترضين التزامات مالية مضاعفة. أما على صعيد الضمانات، فكانت العقارات ذاتها تُرهن لصالح المصارف، وغالباً ما تكون هي المسكن المراد شراؤه. وفي حال التعثر، تعتمد المصارف آلية صارمة تبدأ بإنذار المقترض أو الكفيل بالحجز، ثم المضي إلى بيع العقار في المزاد العلني لتحصيل ما تبقى من أصل القرض، ويُعاد الباقي – إن وجد – إلى صاحب العقار. وهنا يجب التوضيح بأن المصرف يلجأ إلى هذا الإجراء، كوسيلة أخيرة، بعدما يتم استنفاد كل الوسائل الأخرى.
رغم عدم صدور تعليمات تنفيذية جديدة، منذ سقوط النظام حتى اليوم، فإن المصارف الحكومية تقول أنها تتابع التزامها بالشروط القانونية في التعامل مع المتعثرين عن السداد. مصدر مصرفي مسؤول قال لسيريا ريبورت، أن المصارف لم تبدأ حتى اللحظة باتخاذ إجراءات فعلية تجاه هؤلاء المتعثرين، لكنها “ستفعل”، لأن “عليهم السداد”، حسب تعبيره، مع التأكيد على أن المصرف يحتفظ بحقه القانوني الكامل في متابعة استرداد القرض. وبحسب المصدر، فإن هذه الإجراءات لا تُراعي الظروف التي مرّ بها المقترض، ولا تتأثر بمسألة فصله تعسفياً من العمل، لأن المصرف “يتعامل مع المقترض على أنه زبون”، ويطالبه بالوفاء بالتزاماته المالية بغض النظر عن مصدر دخله أو وضعه المهني. هذا التعاطي الصارم لا يُهدد المقترض فقط، بل يطال أيضاً الكفلاء الذين قد يكونون قد رهنوا عقاراتهم لصالح المقترض الرئيسي. وفي حالات عجز المقترض عن الدفع، يكون الكفيل مجبراً على التسديد عنه، وإلا يتعرض للإجراءات نفسها، بما في ذلك الحجز والمزاد.
في ظل تصاعد المخاوف من فقدان المساكن المرهونة للمصارف، ترى مصادر حقوقية، في حديثها لسيريا ريبورت، أن المشكلة تتجاوز صلاحيات المصارف ووزارة المالية، وتتطلب حلاً تشريعياً استثنائياً. معالجة أزمة القروض السكنية التي حصل عليها الموظفون قبل سقوط النظام لا يمكن أن تتم بإجراء إداري، بل تحتاج إلى مرسوم أو نص قانوني خاص، يعيد جدولة هذه القروض ويُعفي المقترضين من الفوائد المرتفعة، ما قد يخفف عنهم خطر فقدان مساكنهم. وفي حال عدم صدور أي نص تشريعي، يبقى الخيار الوحيد أمام المتعثرين هو اللجوء إلى القضاء، ورفع دعوى استناداً إلى ظروفهم الطارئة. غير أن هذا المسار يظل غير عملي، بسبب المدة الطويلة التي تستغرقها المحاكم، والتي تتيح للمصرف المضي في إجراءات الحجز والبيع قبل صدور أي حكم. وهو ما يجعل الحل القضائي غير كافٍ لحماية حقوق المقترضين والكفلاء على المدى القريب.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا تزال المصارف الحكومية، وكذلك الجهات الرسمية، تلتزم الصمت تجاه قضية المقترضين المتعثرين. فـ”لا تعليمات جديدة حتى الآن”، هي العبارة الوحيدة التي ردّدها المسؤولون المصرفيون الذين تواصلت معهم سيريا ريبورت. هذا الغياب التام لأي تصور واضح أو إجراء انتقالي يفتح الباب أمام مزيد من القلق لدى آلاف المتضررين الذين لم يسددوا أقساطها طوال الأشهر الماضية، إما بسبب فقدان وظائفهم أو بسبب ارتفاع قيمة الأقساط مقارنة بانعدام الدخل.
