مفتاح: مشاريع ترحيل الأنقاض لا تلحظُ حقوق ملكيتها
تعلن بعض المحافظات والبلديات التابعة لهما، بين الحين والآخر، عن مشاريع ترحيل للأنقاض في المناطق التي شهدت عمليات حربية. وتُدرجُ تلك المشاريع ضمن إطار إعادة تأهيل المناطق المدمرة والتعافي المبكر التي تشجع عليها الحكومة السورية.
تبدو العملية تقنية لا حقوقية. حتى أن شروط التعاقد تغفلُ أي إشارة للقانون رقم 3 عام 2018 الخاص بإزالة أنقاض الأبنية المتضررة نتيجة أسباب طبيعية أو غير طبيعية أو لخضوعها للقوانين التي تقضي بهدمها، الذي كان قد أعطى لأصحاب العقارات المهدومة فقط الحق بقيمة أنقاضهم، ولكنه ترك للوحدات الإدارية تحديد تلك القيمة بعد بيعها للأنقاض في المزادات العلنية، أو تدوير الأنقاض وخصم تكلفة الهدم والإزالة منها.
وتتخذ مشاريع ترحيل الأنقاض أشكالاً متعددة، أبرزها:
أولاً؛ المناقصات التي تعلن عنها البلديات لتنفذ مشاريع إزالة أنقاض، باستخدام آلياتها. وعادة ما تقوم البلديات بالإعلان عن هذا النوع من المناقصات عندما يكون لديها فائض في الميزانية. وعادة ما تسمى هذه المناقصات بـ”مناقصات الظرف المختوم”، وفيها يُقدّمُ المتعهد “مقاول الإنشاءات” ملفاً على شكل ظرف مختوم يُسجّلُ في ديوان المحافظة أو البلدية صاحبة الإعلان. ويتضمن الظرف المختوم ثلاثة مغلفات مغلقة؛ المغلف الأول، يتضمن عرضاً فنياً يبيّن فيه المتعهد الإجراءات التي سيقوم بها لاستكمال المشروع، والجدول الزمني، الآليات التي سيستخدمها، عدد العمال والمهندسين المطلوبين لإدارة المشروع. المغلف الثاني ويسمى بالملف الحقوقي، يتضمن مستندات مطلوبة كالسجل التجاري للمتعهد، صورة لبطاقة عضويته في غرفة التجارة، صورة لبطاقة عضويته في نقابة مقاولي الإنشاءات، صورة لهويته الشخصية، شهادة لا حكم عليه للمتعهد (خلاصة السجل العدلي). كما يتضمن المغلف الثاني أيضاً كتاباً موقعاً من المتعهد العارض، يبين فيه التزامه بالشروط التعاقدية، مرفقاً بالطوابع المالية المطلوبة للمناقصة، وكفالة التأمينات الأولية وتعادل عادة 5-10 بالمائة من القيمة التقديرية للمشروع. وتكون عادة كفالة مالية مصرفية، أو شيكاً مصرفياً مصدقاً من أحد المصارف العاملة في سوريا، أو يمكن إيداع المبلغ في صندوق الجهة صاحبة الإعلان (البلدية). أما المغلف الثالث والأخير، فيتضمن العرض المالي، وفيه الأسعار التفصيلية لكافة جزئيات العمل، والسعر الكلي.
بعدها، تجتمع لجنة المناقصات، وتفتح المغلفات، في جلسة علنية أو سرية يحضرها المتعهدون، بحسب ما ينص عليه دفتر الشروط. في البداية تجري عملية التقييم الفني للشركات المتقدمة بناء على ملفها الحقوقي “المغلف الثاني”. ومن يتأهل من المتعهدين من المرحلة الأولى، تجري المقارنة بين عروضهم الفنية “المغلف الأول”. بعدها، وللمتعهدين المتأهلين من المرحلة الثانية، تتم المقارنة بين عروضهم المالية “المغلف الثالث”. وتتم ترسية المشروع على المتعهد المتقدم بالسعر الأقل عادة، وتعاد التأمينات الأولية للشركات الأخرى.
بعدها، يقوم المتعهد بتنفيذ المشروع، وتقوم لجنة بالإشراف على سير أعمال الإزالة والترحيل، واستلام الموقع بعد انتهاء الأعمال فيه. وبناء على التزام المتعهد، بمراحل العمل ضمن المهل الزمنية المحددة، يتم إصدار أوامر الصرف. مع انتهاء المشروع تعاد الكفالة المالية الأولية للمتعهد، ويتم حسم نسب منها في حال التأخر في التنفيذ. الفشل في التنفيذ، يُعرّض المتعهد لغرامات، ومصادرة التأمينات الأولية، وقد تصل إلى حد منعه من التعاقد مع الدولة لمدة محددة.
في كل ما سبق، وضمن جميع الشروط التعاقدية، لا ترد بأي شكل من الأشكال أي مقاربة حقوقية لقضية الأنقاض. فعلياً، تعامل الأنقاض كما تعامل القمامة، وبنفس شروط التعاقد.
ثانياً؛ المناقصات التي تعلنها منظمات لا حكومية دولية، مرخصة من قبل الحكومة السورية وعاملة فيها، لتمويل أعمال إزالة الأنقاض بغرض دعم المجتمعات المحلية. ويتم تنفيذ المشروع ضمن خطوات؛ المنظمة غير الحكومية تعلن عن المشروع على شكل مناقصة بالظرف المختوم، تتضمن شروط التعاقد، وكميات تقديرية للأنقاض المطلوب ترحيلها، وتكاليف تقديرية لمجمل الأعمال.
سيريا ريبورت اطلعت على بعض العقود التي طرحتها منظمات غير حكومية دولية، لتمويل مشاريع ترحيل أنقاض في دمشق وريفها، إلا أن طريقة طرحها وشروط التعاقد الملحقة بها، تخلو من أي مقاربة تحفظ حقوق أصحاب الأنقاض، ولا أي إشارة إلى الإطار القانوني الذي تجري بموجبه العملية. إذ أن هذه المنظمات لم تطلب ضمن شروط التعاقد، أي توثيق لملكية الأنقاض، ولم تشترط الاتفاق مع أصحاب الأنقاض لأخذ موافقتهم قبل ترحيلها.
وبنفس طريقة التقدم للمناقصة بالظرف المختوم المذكورة أعلاه، يتقدم المتعهدون من القطاع الخاص، بعروض فنية، حقوقية، ومالية. وبعد فض العروض، يفوز بالمناقصة، مشروع التنفيذ الأقل سعراً. ولا يمكن للقطاع العام المشاركة بسبب العقوبات ومنع التحويلات المالية للجهات الحكومية السورية
بعدها، تستخدم ورشات المُتعهد الآليات الهندسية الثقيلة لإزالة الأنقاض، وترحيلها بشاحنات إلى المطامر ومكبات القمامة. على سبيل المقال في دمشق وريفها هناك عدد من المطامر النظامية، تديرها إدارة مديرية إدارة النفايات الصلبة التابعة لمحافظة دمشق، ومنها؛ مطمر الصبورة غربي دمشق، مطمري الكسوة والغزلانية جنوبي دمشق، مكب وادي السفيرة في جبل قاسيون. هذا بالإضافة إلى مكبات ومطامر غير نظامية، أبرزها المقالع شمالي دمشق.
ثالثاً؛ المزادات، حين تحتوي الأنقاض على مواد يمكن إعادة تدويرها، كالحديد والنحاس والألمنيوم. وتعرض المزايدة المحافظات أو البلديات التابعة لها، ويحق للمتعهدين المؤهلين قانونياً، المشاركة في المزاد. والمؤهلين قانونياً، هم من لديهم سجل تجاري وشهادة مقاول وشهادة لا حكم عليه ولديهم خبرة سابقة في مشاريع مماثلة، وآليات هندسية وشاحنات نقل وعمال. أيضاً هنا، يجب على المتعهد تقديم بتأمينات أولية على شكل كفالة مصرفية أو شيك مصدق أو يودع مبلغاً في صندوق الجهة صاحبة الإعلان ويتم تحديد مبلغ التأمينات ضمن الإعلان عادة.
وتتم المزايدة إما بجلسة علنية أو سرية يحضرها المتعهدون، وتنتهي الجلسة عند الوصول إلى أعلى سعر، وانسحاب بقية المزايدين. كما يمكن للجهة العارضة، أن تعلن عن المشروع، بالظرف المختوم، حيث يقدم كل متعهد سعره ضمن مغلف مغلق، وتقوم لجنة بفتح المغلفات وترسية التعهد على المتعهد الذي تقدم بالسعر الأعلى.
بعدها، يقوم المتعهد الفائز، بنقل الأنقاض إلى مكان خاص يستخدمه لفرزها، واستخلاص المواد ذات القيمة، وبيعها في السوق لتجار الخردة أو لمعامل صب المعادن. كما يمكن استخلاص الرمل من الأنقاض بعد طحنها، وبيعه. المواد المتبقية كالتراب والنفايات، يتم نقلها إلى المطامر ومكبات القمامة. عادة تحتاج عمليات نقل المعادن المسحوبة من الأنقاض، الحديد والنحاس، لموافقة مسبقة من المكتب الاقتصادي للفرقة الرابعة في قوات النظام، وهي المسيطرة على قطاع المعادن.
لا يذكر في المناقصات بأي حال من الأحوال، حق أصحاب الأنقاض بثمن المعادن المستخرجة من أنقاضهم، ولا إمكانية استخدامهم للمواد المعاد تدويرها.
رابعاً؛ من المهم الإشارة إلى وجود أشكال أقل رسمية، لتنفيذ أعمال ترحيل الأنقاض، يشوبها الفساد، أو الرضوخ لقوى الأمر الواقع المسيطرة. ومن ذلك، أن يقوم موظفون من البلديات، باستخدام آلياتها، لترحيل الأنقاض، إلى المكبات النظامية، تحت اسم متعهد خاص. في حالات أخرى، يمكن لقطع عسكرية متواجدة بالقرب من المناطق المدمرة، الاستيلاء على الأنقاض، بذريعة إنشاء سواتر ترابية، باستخدام آلياتها ومن ثم إعادة تدوير الأنقاض.
