مفتاح: مديرية المصالح العقارية في السويداء
بعد الهجوم العسكري الذي نفذته قوات الإدارة الانتقالية على السويداء في تموز 2025، تركزت مخاوف النازحين الدروز من قرى الريف الغربي والشمالي، حول مصير منازلهم وأراضيهم الزراعية. إذ أن حوالي 150 ألفاً نزحوا على عجل من تلك القرى إلى مدينة السويداء وريفيها الجنوبي والشرقي خلال ساعات الهجوم العسكري الأولى، خوفاً من الاعدامات الميدانية المتنقلة من بيت الى بيت. أغلب النازحين لم يصطحبوا معهم إلا القليل من مقتنياتهم. ويُعتقدُ أن أغلب النازحين قد تركوا خلفهم وثائقهم العقارية في المنازل التي تعرضت بدورها للتعفيش والحرق على يد القوات الحكومية والعشائرية. ولذا، لم يبق لأولئك سوى مديرية المصالح العقارية في محافظة السويداء كمرجع وحيد متبقي لإثبات حقوقهم بالسكن، الأرض والملكية.
لكن المديرية لم تتخذ إجراءات إضافية لحماية سجلاتها بسبب ظروف معقدة أعقبت سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024. إذ أن مقرات المديرية في مدينة السويداء ما زالت عبارة عن مبانٍ مستأجرة بعقود قديمة خاضعة للتمديد الحكمي. بعد سقوط النظام، حاول أصحاب العقارات المؤجرة للمديرية استردادها. المديرية تفاوضت معهم لرفع بدل الإيجار وتعويضهم بما يتناسب مع الأسعار الجديدة، لكن التفاهم لم يشمل جميع المقرات. إذ أُجبر الموظفون على إخلاء أحد الأبنية بالكامل، فقد سُمح لهم بدخول المقر الرئيسي يوماً واحداً في الأسبوع فقط، لاستخراج القيود العقارية المطلوبة للسفارات لأغراض السفر. وهذا المقر الرئيسي المستأجر غير مؤهل لحفظ الوثائق الحساسة، وهي عرضة للرطوبة والغبار ودرجات الحرارة المرتفعة، على رفوف معدنية مكشوفة، ما يجعل أي خلل كهربائي أو تسرب مائي تهديداً مباشراً لأرشيف المحافظة.
في المقابل، تمتلك المديرية مبنى جديداً غير مكتمل ترى فيه الحل الأمثل لنقل أرشيفها ومكاتبها، لكنه ما يزال قيد الانتظار منذ أكثر من عقد ونصف. المبنى شُيّد على أرض اشترتها المديرية العامة للمصالح العقارية من مجلس مدينة السويداء، وبدأ العمل فيه عام 2004 قبل أن يتوقف نهائياً عام 2009. يتألف من أحد عشر طابقاً، بينها ثلاثة طوابق سفلية مخصصة للمستودعات والمرآب، وثمانية طوابق تضم مكاتب وقاعات للمحكمة والرسم والأتمتة، بمساحة إجمالية تقارب ثمانية آلاف متر مربع. ورغم جاهزيته الإنشائية، لم يُصدق حتى اليوم ملحق العقد الخاص بأعمال الإكساء والتجهيز، ما أبقاه مغلقاً من دون استخدام.
وتُعدّ مديرية المصالح العقارية في السويداء، الجهة الرسمية المسؤولة عن إنشاء وحفظ بيانات الملكية العقارية، استناداً إلى قانون السجل العقاري رقم 188 لعام 1926 والقرار رقم 186 لعام 1926 نظام التحديد والتحرير. وتخضع المديرية إدارياً للمديرية العامة للمصالح العقارية في دمشق، التي تشرف بدورها على جميع الفروع في المحافظات، وهو ما يمنح الوثائق الرسمية الصادرة عنها حجية موحدة على مستوى البلاد.
وهناك ثلاث مناطق إدارية في المحافظة، موزعة على مدنها الثلاثة؛ السويداء، صلخد وشهبا. وتتبع لتلك المناطق الإدارية 348 منطقة عقارية، 147 منها ضمن منطقة السويداء الإدارية، و109 ضمن منطقة شهبا الإدارية، و92 ضمن المنطقة صلخد الإدارية. وتتبع لمديرية المصالح العقارية في المحافظة، دائرة للسجل العقاري في مدينة السويداء، ودائرة للمصالح العقارية في كل من مدينتي شهبا وصلخد. كما يوجد في كل مدينة، دائرة للمساحة العقارية.
وقد بدأت مديرية المصالح العقارية في السويداء منذ سنوات رقمنة أرشيفها الورقي ضمن مشروع وطني للأتمتة، بعد أن كانت تحفظ الوثائق في مستودعات ورقية أو على أشرطة ميكروفيلم تُرسل نسخ منها إلى دمشق. اليوم تعتمد أنظمة رقمية وماسحات ضوئية لتخزين السجلات على خوادم منفصلة، مع نسخ احتياطية مودعة في دمشق والبنك المركزي، ما يقلل احتمال ضياع البيانات. وقد أنهت مدينة السويداء الإدارية أرشفة معظم صحائفها العقارية والعقود الجديدة، بينما ما تزال شهبا وصلخد متأخرتين بسبب ضعف الكوادر والانقطاع المتكرر للكهرباء. في المقابل، جرى رقمنة المخططات المساحية بالكامل ويجري العمل على ربطها إلكترونياً مع دوائر السجل العقاري.
تُعدّ المناطق التي جرت فيها أعمال التحديد والتحرير العقاري في وضع آمن نسبياً، إذ توجد نسخ متعددة من بياناتها محفوظة في أكثر من موقع، ورقمنتها شبه مكتملة. أما المناطق التي لم تشملها هذه العمليات بعد، فهي أكثر عرضة لفقدان الحقوق في حالات الحرب والنزوح، إذ لا توجد لها سجلات مرجعية كاملة، وبعض أصحاب العقارات فيها يملكون فقط سندات ملكية من دون مخططات مرفقة.
ومن أصل الـ348 منطقة عقارية في المحافظة، هناك 80 منطقة لم تُجرَ فيها أعمال تحديد وتحرير. ومن تلك المناطق غير المحددة والمحررة، هناك 21 منطقة تتبع لحوالي 30 قرية تعرضت لهجوم تموز وما زالت تحت سيطرة قوات الإدارة الانتقالية. وينصح خبراء المصالح العقارية أهالي هذه القرى بإجراء معاملات “الطابو” وإرفاقها بمخطط صادر عن مهندس خبير يحدد موقع العقار.
ويتوجب على صاحب الحق، أن يتقدم إلى المختار، بورقة “علم وخبر” يسجل فيها اسمه، وأسماء المالكين للعقارات المجاورة، ووصف العقار. وبعد مصادقة المختار، يتوجب الحصول على تصديق من مديرية الناحية والبلدية والأوقاف ودائرة الحراج. بعدها، يتم تقديم الطلب إلى دائرة المساحة في مديرية المصالح العقارية. الدائرة تعيّن مختصاً من قبلها لبيان وقوع العقار خارج أعمال التحديد والتحرير. وبعدها، يتم إحالة الطلب إلى رئيس مكتب التوثيق العقاري، ليحيله بدوره إلى قاضي الصلح، حيث يتم تحديد موعد للكشف على العقار في الواقع، وإصدار قرار التسجيل، بعد إعلان القرار في بهو البلدية ومن ثم يتم احالته للمصالح العقارية ليتم تسجيله ضمن سجلات الطابو.
