مفتاح: طبيعة الرقابة القضائية على مراسيم الاستملاك
تعطي المادة السابعة من قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983، حصانة لمراسيم الاستملاك، وتقول إنها تكون مبرمة، لا تقبل طرق الطعن أو المراجعة.
ويعني ذلك أن مرسوم الاستملاك لا يخضع للرقابة القضائية، ما يشكل مخالفة صريحة لدستور العام 2012 الذي حظرت المادة 51 منه تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء. ونظرياً، كان يجب تعديل المادة السابعة من قانون الاستملاك 20\1983، لتتماشى مع دستور العام 2012، بغرض تلافي هذه المخالفة الدستورية. وهو ما لم يحصل. إذ لم يطرأ أي تعديل على نص المادة السابعة من قانون الاستملاك حتى اليوم.
ولكن، ليست جميع مراسيم الاستملاك محصنة. فقد اعتبرت اجتهادات مجلس الدولة، بصفته الجهة القضائية الناظرة في القضايا الإدارية، أن مرسوم الاستملاك يكون معدوماً في بضعة حالات، أبرزها؛ إذا صدر عن جهة إدارية غير مختصة. مثلاً، محكمة القضاء الإداري في أساس القضية 3013/4 لعام 2009، قال بانعدام قرار استملاك، لوجود عيب اختصاص فيه وهو صدوره عن مجلس المدينة لا من رئيس الوزراء. وجعل ذلك الاستملاك منعدماً، كأنه لم يكن، بما يترتب على ذلك من آثار ونتائج. مجلس الدولة، كان قد أكد في اجتهاد أسبق أن الاستملاك بقرار وزاري يعتبر منعدماً. إذ يحق فقط لرئيس مجلس الوزراء إصدار مراسيم الاستملاك بموجب المرسوم التشريعي رقم 11 لعام 1986، بينما إلغاء المرسوم أو تعديله يحتاج إلى مرسوم رئاسي.
من جانب آخر، يراقب القضاء الإداري، تحقق الشروط التي حددتها المادة السابعة من قانون الاستملاك 20\1983، قبل إصدار مرسوم الاستملاك. وتلك الشروط هي؛ الاستملاك يتم بمرسوم يصدر بناء على اقتراح الوزير المختص، يتضمن التصريح عن وجود النفع العام، ويستند في اصداره إلى مجموعة شروط منها رأي الجهة الادارية التي يقع الاستملاك ضمن حدودها الإدارية، ورأي المكتب التنفيذي للمحافظة ذات العلاقة، ورأي المكتب التنفيذي لاتحاد الفلاحين في المحافظة فيما يتعلق بالعقارات المراد استملاكها خارج المخططات التنظيمية للوحدات الإدارية.
في هذا الخصوص جاءت اجتهادات القضاء الإداري متناقضة. ومن ذلك اعتبر القضاء الإداري، أن اقتراح الوزير المختص هو شرط جوهري قبل إصدار مرسوم الاستملاك، وفقاً لقرار محكمة القضاء الإداري رقم 1724/3 أساس 358/3 لعام 2012. في المقابل، اعتبر قرار محكمة القضاء الإداري رقم 564/3 أساس 4742 لعام 2001، أن عدم موافقة الاتحاد العام للفلاحين لا يحول دون إصدار مراسيم الاستملاك.
وهذا القرار يتيح إصدار مرسوم الاستملاك دون التقيد بأخذ رأي إحدى الجهات المنصوص عليها في القانون. وبالتالي، فلا مانع قانونياً بعدم الأخذ برأي بقية الجهات المنصوص عليها في قانون الاستملاك. من هنا يتضح التناقض الذي وقع فيه الاجتهاد القضاء الإداري، ما يتنافى مع مبادئ العدالة، وما لا يتفق مع سلامة تطبيق القواعد القانونية، وهو ما قد يقود إلى مخاوف بوقوع تعديات غير قانونية أخرى على حقوق الملكية.
وقد اعتبرت المحكمة الإدارية العليا، في قرارها رقم 107 لعام 1972، أن إغفال المصوّر الذي يبيّن القسم المراد استملاكه من العقار، أو افتقاد الكشف التقديري لبدل الاستملاك، يُبطِلُ الاستملاك. وفي القرار رقم 112/2 لعام 1997، اعتبرت المحكمة أن صدور مرسوم الاستملاك دون تدوينه في السجل العقاري، ومن دون تبيّن قيمة العقارات أو تسديدها إلى أصحاب العلاقة، يجعل قرار الاستملاك منعدماً.
رقابة القضاء الإداري على مرسوم الاستملاك، تضمن أيضاً نشره في الجريدة الرسمية، وتبليغه لصاحب العلاقة. ولكن، الاجتهاد القضائي اتخذ موقفين مختلفين هنا. فقد كانت الاجتهادات القديمة تعتبر مرسوم الاستملاك ذا صفة شخصية يجب تبليغه إلى صاحب العلاقة، وعدم الاكتفاء بنشره في الجريدة الرسمية. إلا أن مجلس الدولة تراجع عن ذلك، وبات كافياً نشر المرسوم في الجريدة الرسمية، بحسب قرار المحكمة الإدارية العليا رقم 154 أساس 363 لعام 2002. وهذا الاجتهاد القضائي الأخير يؤثر سلباً على حق الملكية لصاحب العقار المستملك، لأنه ينفي عنه الصفة الفردية التي توجب تبليغه مرسوم الاستملاك.
