مفتاح: حماة أحياء أُبيدت وأملاك لم تُسترد
أتاح انتهاء حكم حزب البعث، إمكانية الحديث علناً ولأول مرة عن مجزرة حماة، بعد أكثر من ثلاثة وأربعين عاماً على ارتكابها على يد قوات النظام، وعن نتائجها التي لا يزال سكان المدينة يعيشونها حتى اليوم. لم تقتصر آثار تلك المجزرة على القصف والقتل والتهجير، بل امتدت إلى مصادرة ملكيات السكان، وتغيير خريطة المدينة القديمة، وحرمان آلاف العائلات من العودة إلى بيوتها أو إعادة إعمارها.
تراكم الظلم فوق ذاكرة المدينة وسكانها من خلال سياسات التعويض الزهيد أو المنعدم، وقرارات الاستملاك الجماعي، والمشاريع العمرانية الفاشلة التي فتحت المجال أمام شبكات الفساد والتمييز في إعادة توزيع السكن. وبينما تحوّلت الأحياء القديمة إلى ممتلكات رسمية أو بقيت أرضاً فارغة حتى اليوم، ظل كثيرٌ من أصحابها دون مأوى، أو في سكن مؤقت لا يشبه منازلهم الأصلية التي كانت تُعرف بطرازها العربي القديم، ومكانتها العاطفية والمجتمعية في حياة أهالي حماة.
تنقسم مدينة حماة إلى جزئين يفصل بينهما نهر العاصي، يُعرفان بالحاضر والسوق. والحاضر هو الاسم الذي يُطلق على السوق الكبير الواقع شمالي المدينة، وقد امتدت تسمية المنطقة السكنية المحيطة به من اسمه. كانت هذه الأحياء تتميز بمنازلها المبنية على الطراز العربي القديم، ويعمل أهلها منذ أجيال في صناعة وتجارة الألبان والأقمشة والحرف اليدوية، ما جعل منها قلباً حيوياً نابضاً للمدينة تمّ اجتثاثه بالكامل خلال المجزرة.
وقد تركز التدمير الممنهج في منطقة الحاضر، التي تشكل نصف مساحة المدينة تقريباً، وتضم أحياء حماة القديمة مثل الكيلانية والبارودية، إضافة إلى الزنبقي، العصيدة، البساتين، الشمالية، والشرقية. كما طال القصف المدفعي أجزاء من السوق، لا سيما حي بستان السعادة وسوق النجارين. نال حي الكيلانية، أقدم أحياء الحاضر، الحصة الأكبر من القصف، بسبب طرازه المقبب وأزقته الضيقة، التي اعتبرتها قوات النظام بيئة مناسبة لاختباء المتمردين المسلحين من تنظيم الإخوان المسلمين، ما جعله هدفاً مباشراً للقصف المدفعي المكثف.
أدى القصف العنيف إلى دمار شبه كامل في البنية السكنية والتجارية للمنطقة، وما لم يُدمّره القصف جرى هدمه لاحقاً بشكل متعمّد. وبحسب التقديرات المحلية، وفي ظل غياب الإحصاءات الرسمية، فقد بلغ عدد القتلى ما بين 20 إلى 30 ألفاً، قضوا نتيجة القصف والإعدامات الميدانية. كما هجّرت نحو 700 عائلة، أي ما يقارب 30 ألف نسمة، فيما طال الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري عشرات الآلاف.
في حيّ البارودية، يروي مسعد عاشور تفاصيل الأيام التي عاشتها عائلته تحت الحصار خلال المجزرة. كان منزلهم العربي واسعاً، مساحته نحو 600 متر مربع، ويشبه القصر كما وصفه. بقيت العائلة محاصرة في المنزل لعدة أيام، حتى قُصف الطابق العلوي المصنوع من الخشب، واندلعت النيران في أرجاء البيت. في اليوم الخامس، قررت العائلة – المؤلفة من ثمانية أطفال وأربعة بالغين – مغادرة المنزل، فيما بقيت الجدة خلفهم بسبب بطء حركتها. لجؤوا إلى منزل قريب لا يبعد أكثر من مئة متر، كان يضمّ عدة عائلات أخرى، لكن الوالد، الحاج محمود، قُتل قنصاً أثناء محاولته العودة لإخراج والدته.
يقول عاشور: “ذهبنا من نار إلى نار، ولكن لا خيار آخر، فكل من كان ضمن المنطقة كان محاصراً”. ويضيف أن القصف المدفعي كان يستهدف الحيّ بأكمله، وأن حجم الدمار الذي طال المنازل من حولهم كان صادماً، ولم يكونوا يتوقعون أن يبلغ هذا المستوى من الكثافة.
بعد انتهاء المجزرة، ظهرت الحاجة إلى إعادة الإعمار بشكل ملحّ، ففتحت الدولة أبواب التعويض المالي بعد عدّة أشهر، واستمرّ ذلك لعدة سنوات. في كثير من الحالات، ازداد الوضع تعقيدا بسبب مقتل أو فرار الذكور من أفراد الأسرة، وهم غالبا من كانت تُسجَّل الأملاك بأسمائهم، ما جعل من الوصول إلى التعويض أو استعادة الملكية أمرا أكثر صعوبة. غير أن تلك التعويضات كانت زهيدة إلى حدّ كبير، ولم تكن تعادل شيئاً أمام حجم الخسائر. فقد بلغ التعويض الممنوح أحياناً نصف ليرة سورية فقط للمتر المربع. ومع ذلك، تقول موظفة في بلدية حماة، لسيريا ريبورت، إن التعويضات كانت “لا بأس بها” من حيث المبدأ، لكن ما صُرف منها فعلياً للمتضررين كان قليلاً جداً، بذريعة أن البلدية لا تملك الاعتمادات المالية الكافية.
وكانت لجان التخمين التابعة للبلدية وخبراء العقارات هي من يحدّد القيمة النهائية للتعويض، استناداً إلى سعر البناء القائم على الأرض، وليس إلى قيمة العقار الفعلية قبل التدمير. وقد انعكس ذلك على آلاف العائلات التي خسرت منازلها ومحالها التجارية دون أن تتمكن من تعويض خسارتها. في كثير من الحالات، لم يحصل المتضررون على أي تعويض على الإطلاق، كما هو حال عائلة مسعد عاشور. فقد أكدت والدته أنهم لم يتسلّموا أي مبالغ، وأن كثيراً من العائلات عانت المصير ذاته، وبقيت أراضيها، حتى اليوم، خالية من أي بناء أو ترميم.
حَكَم عبد الرزاق، تحدث لسيريا ريبورت عن منزل جدّه في حي الزنبقي، والذي تعرض للتدمير الكامل، وأُنشئ مكانه لاحقاً مقر قيادة الشرطة. بعد نحو ثلاث سنوات من انتهاء المجزرة، أُبلِغَت العائلة بوجود تعويض مالي من البلدية، لكن قيمته لم تتجاوز ألف ليرة سورية (حوالي 22 دولاراً) لمنزل مساحته 500 متر، وهو مبلغ زهيد بالمقارنة مع أسعار السوق في تلك الفترة. ولحسن الحظ، فعائلة حَكَم كان لديها منزلاً آخر انتقلت للعيش فيه. ولولا ذلك لاضطرت العائلة إلى استئجار منزل، ولدفعت ايجاراً تراوح بين 100 و150 ليرة شهرياً، حين لم يكن راتب الموظف حينها يتجاوز 250 ليرة في أفضل الأحوال.
عام 1986، وبعد أربع سنوات من المجزرة، صدر القرار رقم 2462 عن رئاسة مجلس الوزراء، والذي نصّ على استملاك جماعي لمعظم أحياء حماة القديمة والأثرية التي طالها الهدم، بموجب قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983. جاء القرار ضمن “إضبارة عامة”، دون توضيح الأسباب والدوافع كالمعتاد في قرارات الاستملاك. وبموجب هذا القرار، انتزعت الدولة ملكية عدد كبير من العقارات السكنية والتجارية، بما فيها تلك التي تهدّمت خلال المجزرة، ودون أن تكون الاستملاكات مخصصة للنفع العام.
تُعتبر منطقتا الكيلانية والزنبقي (المنطقة العقارية الأولى) من أبرز المناطق التي شملها الاستملاك، حيث جرى تعديل المخطط التنظيمي فيهما ليتضمن منشآت حكومية وإدارية، مثل فندق أفاميا الذي بيع لاحقاً لرجل الأعمال عثمان العايدي، إضافة إلى فروع حزب البعث، وقيادة الشرطة، ومراكز تابعة للدولة، ومبانٍ للبحوث العلمية، ومقرات لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. وفي المقابل، بقيت مساحات واسعة في الزنبقي والبارودية القديمة خالية تماماً من البناء حتى اليوم، باستثناء مدرسة واحدة أُنشئت بجهود الأهالي الخاصة، وليس بتمويل من الدولة.
بهدف إعادة بناء المناطق التي طالها الدمار، أصدر الرئيس الأسبق حافظ الأسد قراراً بتشكيل لجنة تنظيم وإعمار (اللجنة رقم 507) والتي كُلّفت بإنشاء ضاحية سكنية على أطراف المدينة تُدعى ضاحية أبي الفداء. يثير توزيع هذه الوحدات السكنية أيضا تساؤلات حول ما إذا كانت الأسر المعيلة من قبل نساء – لا سيما أولئك من زيجات ثانية أو ثالثة، أو من لا يمتلكن وثائق ملكية رسمية – قد أُخذت بعين الاعتبار، رغم أنهن كنّ غالبا الناجيات الوحيدات والمرتبطات فعليا بالعقارات الأصلية. كانت الخطة أن تضم الضاحية نحو خمسة آلاف شقة سكنية، تُمنح للعائلات التي تهدمت منازلها خلال المجزرة. لكن ما نُفذ فعلياً لم يتجاوز ثلاثة آلاف وأربعمائة شقة، خصص معظمها لمشاريع السكن الاجتماعي، الوظيفي والعمالي، للعاملين في الدولة عن طريق نقابات العمال، وإلى عناصر في أجهزة الأمن والجيش. في العام 2009، تم الغاء لجنة التنظيم والإعمار، من دون تقديم أسباب رسمية. وبحسب شهادة عضو سابق في مجلس مدينة حماة، فقد جاء الإلغاء نتيجة “عدم رغبة حقيقية في استكمال أعمال البناء في الأراضي المهدّمة”. وهكذا، تحوّلت ضاحية أبي الفداء من مشروع لإعادة إسكان الضحايا إلى أداة جديدة لإقصائهم عن مدينتهم، في حين بقيت أراضيهم الأصلية، التي دُمّرت خلال المجزرة، خارج أي خطة جدّية لإعمارها أو إعادة سكانها إليها.
في العام 2000، وبعد فترة قصيرة من وراثته الرئاسة، زار بشار الأسد مدينة حماة. خلال لقائه مع السكان، كان المطلب الأول الذي طُرح عليه هو رفع الاستملاك عن المناطق التي شملها قرار عام 1986، والتي كانت تضم غالبية أحياء المدينة القديمة المتضررة. استجابةً لذلك، صدر مرسوم رئاسي رقم 123 برفع الاستملاك عن تلك المناطق. لكن المرسوم لم يؤدِّ إلى أي تغيير فعلي على الأرض. فالمناطق التي رُفع عنها الاستملاك كانت تقوم عليها في تلك المرحلة منشآت رسمية قائمة بالفعل، مثل فرع شرطة حماة، ومبنى حزب البعث، ومؤسسات حكومية أخرى، ما جعل من إعادة الأراضي إلى أصحابها أمراً غير ممكن عملياً.
وبحسب ما قالته الموظفة في بلدية حماة لسيريا ريبورت، فإن المرسوم أُفرغ من مضمونه، ولم يستفد منه السكان، بل ساهم في زيادة الفوضى. بقيت الأراضي المستملكة خارج متناول أصحابها، وعاد كثير من السكان ليجدوا أن بيوتهم السابقة قد تحوّلت إلى مقرات رسمية لا يمكن استردادها، فيما ظلت مناطق أخرى خالية من البناء تماماً، دون أي مبادرة لإعادتها إلى أهلها أو لإعمارها وفق رؤية عادلة.
وراء الأرقام والشهادات والسياسات، تبقى الخسارة الأكبر لسكان حماة هي فقدان شعورهم بالاستقرار والانتماء، بعد أن جُرّدوا من منازلهم وذاكرة أحيائهم. يقول حكم عبد الرزاق: “لقد مسحوا المنطقة من ذاكرتنا، ولم يدعونا نشعر بطعم السعادة في بيوتنا”. هذه العبارات تعبّر عن ما تعرّضت له أحياء حماة القديمة من محو مزدوج: مادي ورمزي. فالسياسات التي لحقت المجزرة لم تقتصر على التدمير، بل سعت إلى تفريغ المكان من معناه، وتحويله إلى منشآت رسمية أو مساحات مهجورة لا تعود لأصحابها. لم تكن المسألة مرتبطة فقط بفقدان البيت، بل بفقدان المهنة، والجيرة، والنسيج الاجتماعي الذي كان يربط بين الأحياء وسكانها، والذاكرة الجماعية التي كانت تختزنها هذه الأمكنة.
نتيجة لذلك، عاش عشرات الآلاف من الناجين من المجزرة في حالة من التشرّد الدائم، بين منازل مستأجرة لا تشبه بيوتهم الأصلية، أو أراضٍ خارج المدينة، أو في انتظار إعمار لم يأتِ. بقيت أسواق حماة الشعبية الكبرى، ومنازلها ذات الطراز العربي القديم، وأحيائها التي كانت تعجّ بالحياة، طيّ النسيان والخراب، فيما ظلّ أصحابها محرومين من أبسط حقوقهم في العودة أو التعويض العادل. لم تكن مجزرة حماة حدثاً استثنائياً في تاريخ المدينة، بل بداية لعقودٍ من الإقصاء المُمَنهج.
