مفتاح: تعميم وزارة العدل بإحالة دعوى تثبيت البيع العقاري إلى النيابة العامة
أصدرت وزارة العدل في الحكومة السورية المؤقتة، التعميم رقم 283 في 28 آب 2025، الذي يقضي بإحالة دعوى تثبيت البيع العقاري إلى النيابة العامة. وقد أثار هذا الإجراء إشكاليات عملية وقانونية حول مدى انسجامه مع أحكام قانون أصول المحاكمات المدنية، وما يترتب عليه من آثار على مصالح المتقاضين وسير العدالة.
التعميم الجديد وجّه رؤساء العدليات في كافة المحافظات للطلب من المحاكم المدنية إرسال صور عن ملفات دعاوى تثبيت البيوع العقارية إلى النيابة العامة، في حال وجد القاضي احتمالاً بأن العقار موضوع الدعوى، يملكه أحد “أزلام النظام السابق” ممن توجد بحقهم إجراءات قضائية لأسباب تتعلق باختلاس المال العام، أو بالحصول على ثرواتهم بطرق غير مشروعة.
وقد أكد التعميم أن قرار الإحالة للنيابة العامة يجب أن يحدد السبب الداعي للإحالة بـ”حماية المال العام من العبث والتهريب”.
وأوضح التعميم أن العمل بالإحالة إلى النيابة العامة سيبقى سارياً إلى حين إصدار اللوائح الرسمية الخاصة بالأشخاص الممنوعين من التصرف بأملاكهم. وأكد على قضاة النيابة العامة بالإسراع في دراسة الملفات المحالة إليهم، من أجل تقديم الدفوع القانونية اللازمة لضمان “تحقيق العدالة وحسن تطبيق القانون”.
إصدار التعميم 283/2025 جاء بناءً على مقترح قدّمهُ رئيس المحاكم المدنية بدمشق إلى رئيس عدلية دمشق، والذي أحاله بدوره إلى وزير العدل. وتضمن المقترح إدخال أو تدخل النيابة العامة في دعاوى تثبيت البيوع العقارية المنظورة أمام محاكم البداية المدنية بدمشق، بهدف منع تهريب الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة “لأزلام النظام السابق”. وعليه، فقد اعتمدت وزارة العدل المقترح، وأصدرت تعميماً إلى كافة العدليات في المحافظات.
ومن الناحية القانونية استند التعميم الجديد في قرار إحالة دعاوى البيوع العقاري إلى النيابة العامة، إلى أحكام المادتين 124-125 من قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 1 لعام 2016. المادة 124 تُحدّدُ الحالات التي تتدخل فيها النيابة في الدعاوى، وهي القضايا المتعلقة بـ”إدارة عامة أو بالأحوال الشخصية وبعديمي الأهلية وناقصيها والغائبين وبالأوقاف الخيرية وبالهبات والوصايا المرصدة للبر وفي تعيين المرجع والدفع بعدم الاختصاص الموضوعي وفي رد القضاة ومخاصمتهم وفي التفليسة والصلح الواقي”. ولا يوجد في أي اجتهادات قضائية سورية أي تفسير لمعنى “إدارة عامة”، وليس واضحاً إن سبق وقوع سابقة تدخلت فيها النيابة في قضايا المال العام تحت تفسير قانوني للمادة 124. بينما المادة 125 أجازت للمحكمة إرسال ملف الدعوى إلى النيابة العامة إذا وجدت أنها تتعلق بمسألة مرتبطة بالنظام العام والآداب العامة. ولم تحدد المادة 125 الحالات المتعلقة بالنظام العام التي يمكن أن تستند إليها المحكمة في إحالة الملف إلى النيابة العامة، ولكن يمكن أن تدخل حالة حماية المال العام ضمن مفهوم النظام العام، وفقاً للرأي السائد في الفقه القانوني.
وعليه يمكن القول، أنه لا يمكن الاستناد إلى نص المادة 124 من قانون أصول المحاكمات المدنية 1/2016، في إحالة دعاوى البيع العقاري إلى النيابة العامة، لأنها لا تنص على حالة الحفاظ على المال العام. وبالتالي، فإن الاستناد إلى المادة 124 في التعميم يعتبر من قبيل تطويع النصوص القانونية وتفسيرها بأكثر مما تحتمل. ولذا، فمن الأفضل التسريع بإصدار لوائح رسمية بالممنوعين من التصرف في ممتلكاتهم، بدل تفسير القانون بطريقة إشكالية. إذ يُخشى أن تصبح عملية تطويع النصوص نهجاً متبعاً للوصول إلى النتائج المطلوبة ولو كان ذلك بسبب فساد الاستدلال القانوني.
من جهة أخرى، فإن الحفاظ على المال العام لا يبرر تعقيد الإجراءات القضائية وتأخير الفصل في الدعاوى، والإضرار بمصلحة مشتري العقار من جراء التأخير في عملية نقل الملكية. إذ أصبح قاضي محكمة البداية المدنية الناظرة بدعوى تثبيت البيع، مُطالبٌ بالتحقق إن كان بيع العقار يهدف إلى تهريبه والإضرار بالمال العام. ولكن هذا التحقق هو من صلب عمل القاضي الجزائي الذي يبحث في الوقائع الجرمية وتوفر الأدلة عليها. وقد يستغرق هذا البحث والتحقق وقتاً طويلاً يؤدي إلى تأخير الإجراءات، وخاصة أنه بعد الإحالة إلى النيابة العامة يمكن لها أيضاً التوسع في عملية التحقيق لإثبات أن دعوى تثبيت البيع تنطوي على تهريب العقار العائد لأحد أذرع نظام الأسد أو المرتبطين به.
وبدلاً من إحالة الدعوى إلى النيابة العامة، يمكن اتباع طرق أخرى أكثر مرونة توازن بين توفير الحماية للمال العام من جهة، وعدم إلحاق الضرر بمصالح المشتري والبائع من جهة أخرى. ومن تلك الطرق، وضع إشارة منع التصرف على صحف العقارات للأشخاص الذين يشتبه أنهم حصلوا على أموالهم بطرق غير مشروعة خلال حقبة نظام الأسد. ويمكن للمشتري الإطلاع على صحيفة العقار، كما تمتنع المحكمة عن إجراء عملية نقل الملكية عند وجود إشارة مماثلة.
ومن الحلول المقترحة أيضاً أن تتولى المحكمة الناظرة في دعوى تثبيت البيع من عملية التحقق المسبق بإرسال طلب إلى السجل العقاري ومديرية المالية للتثبت من الوضع القانوني لمالك العقار وفيما إذا كانت هناك مشاكل حوله. وهذا يغني عن الإحالة للنيابة العامة وما يترتب على ذلك من إطالة وتعقيد الإجراءات وإلحاق الضرر بحقوق مشتري العقار.
