مفتاح: تحديات استعادة الملكيات العقارية بعد سقوط النظام
إثر سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، انتشرت ظاهرة استعادة الناس لأملاكها المصادرة، المستولى عليها والمغصوبة ومنها الواقعة في مناطق التنظيم. لكن استعادة هذه الملكيات اليوم، تحولت إلى قضية معقدة بفعل التعقيدات الإدارية والقانونية، ما جعل التعميمات التي صدرت مؤخراً عن الإدارة الانتقالية، لمعالجة هذه القضية شكلية. الحل الواقعي يفترض مراجعة قانونية شاملة، وتأسيساً لآليات واضحة لاسترداد الحقوق وتعويض المتضررين. في هذا المقال، يستعرض الخبير العمراني معن كفا، الأوجه المختلفة لهذه القضية، ويطرح بعض التصورات لحول لها.
بعض أوجه الانتهاكات القانونية في عهد نظام الأسد
منذ عام 2011، شرّع نظام الأسد سلسلة قوانين ومراسيم أتاحت الاستيلاء على العقارات، أبرزها المرسوم 63 لعام 2012 الذي منح سلطات الضابطة العدلية ووزارة المالية حق الحجز الاحتياطي على أموال المتهمين دون أمر قضائي، بالتوازي مع استحداث محكمة مكافحة الإرهاب بموجب القانون 22، التي منحت النائب العام صلاحية تجميد الأملاك. وقد عزز تعميم وزارة الإدارة المحلية لعام 2019 هذه الصلاحيات، عبر تسريع تنفيذ المصادرات ونقلها لصالح الدولة. وتُظهر أرقام وزارة المالية في 2017 وجود أكثر من 40 ألف حالة حجز، استناداً إلى تهم فضفاضة بالإرهاب. مثلاً في آذار 2024، حُجز على أملاك عشرات العائلات في زاكية بريف دمشق، على خلفية صدامات محلية مع مجموعات تابعة للفرقة الرابعة، في خطوة عكست سهولة توجيه الاتهامات، واستحالة الدفاع عن النفس. في مثل هذه الحالات، يُجبر الرجال غالبا على الالتحاق بالخدمة العسكرية، أو يُقتلون، أو يُعتقلون، أو يُجبرون على الفرار، مما يترك النساء والأطفال في وضع هشّ ويعرّضهم لخطر فقدان المأوى بعد مصادرة الممتلكات.
بالتوازي، شُرّعت قوانين استثنائية فتحت الباب أمام التلاعب بسجلات الملكية، أبرزها المرسومان 11 و12 لعام 2016، اللذان سمحا بإنشاء سجلات بديلة واعتماد نسخ إلكترونية من الوثائق الأصلية، ما أضعف القدرة على التحقق وسهّل التزوير. كما أتاح المرسوم 66 والقانون 10 إحداث مناطق تنظيمية في مواقع مدمّرة أو عشوائية، مع تعويض المالكين بأسهم تنظيمية بشرط إثبات الملكية ضمن مهلة قصيرة، ما حرم كثيرين من حقوقهم بفعل الإجراءات المعقدة، وتحويل الملكيات إلى حصص على الشيوع من دون ضمانات عادلة.
وإلى جانب هذا الإطار القانوني، وقعت انتهاكات ميدانية خلال النزاع، شملت وضع اليد وغصب الممتلكات دون مسوّغ قانوني، كما في بابا عمرو بحمص. وتوسعت أيضاً عمليات تزوير الوثائق العقارية والرسمية بفعل الفوضى وغياب الرقابة، ما سهّل الاستيلاء غير المشروع على الأملاك. وقد ساهمت هذه البيئة القانونية والإدارية والأمنية في جعل استعادة الملكيات المصادرة شبه مستحيلة، خصوصاً في ظل تهجير المالكين، وفقدان الوثائق الأصلية، وتعطّل القضاء.
العوائق الراهنة أمام استعادة الحقوق
في 21 كانون الثاني 2025، أصدرت المديرية العامة للمصالح العقارية التعميم رقم 1 الذي علّق توثيق جميع التصرفات التي تؤدي إلى إحداث أو نقل أو تعديل أي حق عيني عقاري، بما في ذلك وضع إشارات الدعاوى، من دون تحديد إطار زمني واضح لاستئناف العمل، وبالتوازي مع تعميم مماثل صادر عن وزارة العدل يمنع تسجيل دعاوى تثبيت البيوع. ورغم عدم وجود تبرير رسمي واضح لهذا التوقف، إلا أنه يأتي في ظل الفوضى القانونية الراهنة، وقد يكون هدفه منع التصرفات العقارية المبنية على التزوير أو الصادرة عن أشخاص متورطين بجرائم في عهد النظام السابق. لكن هذا التعليق، يشكّل تقييداً فعلياً لحقوق المالكين الحقيقيين، ويزيد من تعقيد المشهد العقاري، خاصة أنه لم يُرفق بآلية واضحة أو جدول زمني، واقتصر على استثناء بعض الإجراءات الإدارية غير المرتبطة بنقل الملكية، مثل إصدار بيانات القيد العقاري، والبيانات المساحية، وتصحيح الأوصاف، والإفراز.
كل ذلك يحدث في ظل غياب آلية واضحة للمراجعة أو التظلّم، في حين أن إشارات الحجز الموضوعة بموجب أحكام محكمة الإرهاب لا تزال قائمة، رغم أن قرارات المحكمة باتت فاقدة للشرعية. ورغم صدور التعميم في 18 شباط 2025 عن المديرية العامة للمصالح العقارية، الذي يسمح بتوثيق العقود وإجراء الإشارات بعد ربط الوثائق المؤيدة بقانون السجل العقاري، إلا أن هذه الخطوة محدودة الأثر ولا تمكّن من شطب إشارات الحجز أو استرجاع الحقوق المصادرة.
الحلول المقترحة
تتطلب استعادة الملكيات المصادرة إصلاحاً قضائياً وتشريعياً شاملاً، وهو ما كان مرجواً من الإعلان الدستوري معالجته، إلا أن الإعلان الدستوري الذي تمت الموافقة عليه ليحكم البلاد في المرحلة الانتقالية، يقوّض السلطة القضائية واستقلال القضاء، حيث يمنح الرئيس صلاحيات كبيرة تشمل التعيينات القضائية والتشريعية بدون أي ضوابط أو رقابة. فالتشديد على استقلالية القضاء في المادة 47 يبقى صورياً في غياب الآليات التي تضمن استقلاله عملياً. وينطبق هذا على المادة 48، فالتدابير المنصوص عليها لتحقيق العدالة ستبقى ضعيفة الفعالية دون إشراف مستقل ونزيه، وفي ظل السيطرة شبه الشاملة على التعيينات التشريعية من قبل الرئيس. ما يدعو إلى وضع سلسلة من الإجراءات لضمان الشفافية وسهولة التنفيذ، ومنها:
أولاً؛ إعداد مسح شامل على مستوى المحافظات لمعرفة المناطق والعقارات التي تم الاستيلاء عليها ومصادرتها، ودراسة وضعها الحالي وتقييم الحقوق الجديدة المترتبة عليها إن وجدت.
ثانياً؛ إعداد محاضر وجداول بالأموال المصادرة بموجب أحكام محكمة الإرهاب والمحاكم الميدانية، ويمكن اللجوء لوزارة العدل ووزارة المالية للحصول على السجلات بطريقة سريعة.
ثالثاً؛ إيقاف/تجميد كامل الإجراءات التي نتجت عن مصادرة الأملاك بموجب قرارات محكمة الميدان العسكرية ومحكمة الإرهاب، بما في ذلك الأحكام غير المنفذة أو تلك التي تم بموجبها نقل الملكية إلى الجمهورية العربية السورية.
رابعاً؛ تشكيل محاكم مختصة بالأمور العقارية، وأن تكون آليات ردّ المساكن والممتلكات وغيرها عبر إنشاء هيئة مستقلة للنظر في الشكاوى وبإشراف دولي.
خامساً؛ التعاون مع الخبرات الدولية عند إجراء مراجعة شاملة للتشريعات السورية المتعلقة بالحقوق العقارية ضمن آليات العدالة الانتقالية، وفي حال إقرار القوانين لضمان شفافية إقرارها، وإجراءات تطبيقها، وزيادة ثقة الناس بالقرارات، خاصة أن الإعلان الدستوري يمنح الرئيس سيطرة شبه كاملة على السلطة التشريعية.
سادساً؛ تجنّب إخلاء المنازل من الشاغرين الثانويين بشكل غير عادل واعتباطي، في غياب آليات عادلة لحل النزاعات العقارية، بشكل يحابي فئة معينة ويفضي إلى التشرد وتفاقم حالة الانقسام المجتمعي، خاصة لمن لا يملك منزلاً ثانياً.
سابعاً؛ توفير الخبرات اللازمة لتسريع الإجراءات، مثل دعم شبكات المهندسين والمحاميين المتطوعين لمساعدة أصحاب الحقوق في صياغة طلباتهم وتحديد عقاراتهم والوثائق اللازمة لهذه العملية.
ثامناً؛ تأسيس عيادات قانونية هندسية في مختلف البلديات يمكن من خلالها توثيق المظالم العقارية والحصول على النصيحة القانونية والهندسية العقارية، وإحالة المستفيدين إلى الجهة المعنية بتقديم الخدمات.
تاسعاً؛ تدريب المحامين والقضاة وغيرهم من أصحاب الخبرات على الآليات البديلة لحل النزاعات العقارية، وتحديد أنواع النزاعات التي يمكن اللجوء إلى هذه الآليات بموجبها.
عاشراً؛ مع ضرورة وضع ضوابط تضمن وصول الفئات الأكثر هشاشة لهذه الآليات، وعدم التمييز ضدها بناءً على الجنس أو الدين أو المنطقة أو الرأي السياسي، إذ أنه عادة ما تكون هذه الآليات تمييزية ضد المرأة لاعتمادها على الأطر التقليدية. يجب وضع ضوابط واضحة لضمان الوصول وعدم التمييز.
حادي عشر؛ تعزيز الحق بالوصول إلى المعلومات، من خلال إتاحة الفرصة لكافة المهتمين، لاسيما من المجتمع المدني وعلى رأسه النقابات، للحصول على المعلومات المتعلقة بالمخططات الطبوغرافية والتنظيمية ليتمكنوا من المساهمة في الاستجابة وعمليات صياغة السياسات واسترداد الحقوق وجهود إعادة الإعمار بشكل فعّال.
ثاني عشر؛ الأمر يتطلب دعم استقلال النقابات، فهي ليست مؤسسات دولة كما تم التعاطي معها في زمن النظام وكما تم التعاطي معها بعد سقوطه، بل هي جزء من المجتمع المدني.
ثالث عشر؛ تفعيل النشر في الجريدة الرسمية وجعلها متاحة للجميع عبر الإنترنت، والتعاون مع الإعلام بشكل فعّال ليساهم في نقل المعلومات بدقة لأكبر عدد من الناس.
هذه الإجراءات بشكلها المبدئي تضمن تحقيق العدالة الانتقالية في مسألة العقارات، وتحل جزءاً كبيراً من الإشكاليات السابقة والجديدة التي أضيفت عليها بسبب التسرع في تنفيذ قوانين تخص العقارات والملكيات وغيرها، والتعامل معها بذهنية المنتصر على المهزوم، الأمر الذي يفاقم الانقسام المجتمعي طائفياً وطبقياً، ويضعف الثقة بحكم القانون في المستقبل. بدون هذه التغييرات الجذرية، تبقى كل المحاولات الإدارية القائمة مجرد خطوات شكلية، تعيد إنتاج العجز بدل مداواته، وتُبقي ملف الملكيات رهينة حسابات سياسية لم تُحسم بعد.
