مفتاح: استملاكات البلديات في مناطق الإدارة الذاتية
أصدر مجلس الشعوب الديموقراطية، وهو بمثابة السلطة التشريعية لدى الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، في 7 نيسان 2024، القانون رقم 4 الخاص بالبلدية واتحاد البلديات الديموقراطية. ويعتبر هذا القانون معادلاً لقانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2012 في مناطق سيطرة حكومة دمشق، بما يتضمنه من صلاحيات ومسؤوليات للوحدات الإدارية.
وفقاً للقانون 4\2024، البلدية هي وحدة إدارية خدمية محلية وذاتية واجتماعية وتنموية، تقوم ضمن نطاقها بممارسة الصلاحيات القانونية، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية وشبه الاستقلال المالي والإداري. بينما المجلس البلدي هو مجلس منتخب مباشرة من قبل الشعب ويحدد عدد أعضائه بما يتناسب مع نسبة السكان في المدينة أو البلدة، ويتولى إدارة البلدية.
القانون منح بلديات الإدارة الذاتية صلاحيات ومهام واسعة، لعل أهمها ما جاء في الفقرة 17 من المادة 4، التي أجازت للبلدية استملاك أي عقار ضمن الشروط التالية؛ أن يكون الاستملاك للمنفعة العامة ولقاء تعويض عادل، وبعد التحقق من عدم توفر عقارات مملوكة للإدارة المحلية تفي بالحاجة وفق قانون الاستملاك.
لكن، المشكلة الأولى في هذه الفقرة، هي عدم وجود قانون استملاك معتمد لدى الادارة الذاتية لحد الآن، في حين ينظم أحكام الاستملاك في مناطق سيطرة حكومة دمشق قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983.
بينما المشكلة الثانية، هي أن شروط الاستملاك التي تضمنتها الفقرة 17 من المادة 4، جاءت عامة لا يمكن الاكتفاء بها لتنظيم إجراء يمس بحق الملكية كالاستملاك. وهذه الفقرة بحاجة للاستكمال والتوضيح بقانون مستقل للاستملاك، يعرف بشكل واضح المنفعة العامة، والتعويض العادل.
النفع العام شرط أساسي للاستملاك من قبل الجهة العامة وفي حال انتفائه يكون الاستملاك منعدماً وفقاً للاجتهاد 786 لعام 1996 الصادر عن محكمة النقض السورية، بينما النفع العام في الاستملاك هو من صلاحية الإدارة المستملِكة وفقاً للاجتهاد 979 لعام 1978 الصادر عن محكمة النقض السورية. أي أن الإدارة المُستملكة هي التي تحدد مدى وجود نفع عام من مشروع الاستملاك، وبناء على ذلك يصدر مرسوم الاستملاك
وبحسب قانون الاستملاك السوري 20 لعام 1983، التعويض العادل يحتاج إلى ضوابط لتقديره، من قبل لجنة مختصة تسمى لجنة التقدير البدائي. ويمكن الطعن في التقدير أمام لجنة أعلى تسمى لجنة إعادة النظر. ويجب أن تكون عملية تقدير قيمة التعويض ضمن ضوابط تأخذ بالاعتبار موقع العقار ومساحته وما يتبع له من أبنية وانشاءات، كما يجب الالتزام بدفع التعويض بدل الاستملاك ضمن قيد زمني محدد لا يتجاوز خمس سنوات. فإذا طالت المدة عن ذلك، يجب على الجهة المستملكة دفع فائدة قانونية بنسبة 6% من قيمة بدل الاستملاك عن كل سنة تأخير.
كما يجب وضع آليات محددة لدفع قيمة التعويض بدل الاستملاك؛ إما عبر الدفع مباشرة لمالك العقار المستملك، أو إيداع المبلغ باسم مالك العقار لدى أحد المصارف، أو إيداع المبلغ على سبيل الأمانة لدى السجل العقاري إلى حين حضور مالك العقار برفقة ممثل الجهة المستملِكة وذلك لتوثيق دفع البدل أمام مدير المصالح العقارية وتسجيل العقار على اسم الجهة المستملكة.
الشرط الأخير الذي تضمنته الفقرة 17 من المادة 4، وهو التحقق من عدم توفر عقارات مملوكة للإدارة المحلية تفي بحاجة المشروع الخدمي. وهذا الشرط، هو لتبيان الحاجة إلى الاستملاك، وفقاً للاجتهاد القضائي المنشور في مجلة المحامون لعام 1999 العددان 5-6، الذي استقر على أن “الأصل في استملاك العقارات وأجزائها أن يتناسب مع حاجة المشروع ذي النفع العام، فإذا ما ثبت تجاوز حدود حاجة المشروع، انتفت المشروعية من استملاك القسم أو الأقسام الزائدة”. أي أنه إذا ما انتفت المشروعية من استملاك عقار ما، يمكن للمتضرر تقديم دعوى أمام القضاء المدني لإبطال الاستملاك استناداً إلى عدم الحاجة إلى العقار المستملك.
بينما قانون البلدية رقم 4\2024 لم يحدد أية آلية للتحقق من عدم توفر عقارات مملوكة للإدارة المحلية، ولا كيفية القيام بذلك، ومن هي الجهة التي ستقوم بالتحقق. بينما، ووفقاً لما هو سائد، فقد أجازت الإدارة الذاتية لمالك العقار المستملك، أن يتقدم بتظلم إلى البلدية المستملِكة، وفي حال رفض التظلم يمكن عندئذٍ تقديم دعوى أمام المحكمة. بينما إذا جرى استملاك مجموعة عقارات سوية، فقد جرت العادة على تقديم المتضررين اعتراضاً لإصدار تعميم بوقف الاستملاك، إما للمجلس التنفيذي وهو بمثابة الحكومة في المقاطعة وهو مسؤول أمام المجلس التشريعي، أو للجان الحاكمة بالمنطقة وهي هيئات تتبع للمجلس التنفيذي لها اختصاصات كهيئة الادارة المحلية والبيئة. ويعتبر الاعتراض الجماعي وسيلة ضغط أكثر أهمية من الاعتراض الفردي، ولكنه يحصل فقط في حالة استملاك عدة عقارات ضمن منطقة واحدة.
كما يمكن للمتضررين من الاستملاك إذا كانوا مقيمين خارج مناطق الادارة الذاتية، أن يتقدموا إلى ممثليات الإدارة الذاتية المنتشرة في بعض الدول، أو في السفارات السورية، لتنظيم وكالة لوكيل في الداخل، يقوم بالنيابة عن الموكل بتقديم اعتراض على التجاوز الحاصل على الملكية العقارية. لكن، لا يوجد قانون أو نظام اجرائي ينص على آلية تقديم الشكوى والاعتراض على الاستملاك.
ولجميع تلك الأسباب، يبدو أن منح الإدارة الذاتية للبلديات صلاحية الاستملاك، وسط غياب قانون استملاك، وغياب الضوابط الإجرائية، والرقابة القضائية على عملية الاستملاك، وفي ظل ظروف الحرب واللجوء، فهذا قد يجعل الاستملاك انتهاكاً يهدد حقوق الملكية العقارية في مناطق الإدارة الذاتية.
