مفتاح: استرداد العقارات المغتصبة بين التحديات القانونية وألاعيب الاحتيال
تفاجأ كثير من اللاجئين والنازحين قسرياً، العائدين إلى مناطقهم ومدنهم وبلدتهم بعد سقوط النظام، بوجود قاطنين آخرين يقيمون في منازلهم. ولأن بعض القاطنين لديهم بالفعل وثائق تثبت شرائهم لتلك العقارات، فإن استقصاء المسألة يثبت أنهم ضحايا لعمليات تزوير لوثائق ملكية وأحكام قضائية، بعضها من الصعب للغاية كشفه.
في حالات متعددة في اللاذقية وحلب، أفاد القاطنون الحاليون لتك العقارات، بأنهم اشتروها، وبعضهم، بحسب ما اطلعت عليه سيريا ريبورت، لديه حكم قضائي بملكية العقار، واثباتات على دفعه ثمنه. غالبية أولئك، يدعون أنهم لا يعرفون أن من باعوهم العقارات، غير مالكين لها، وأنهم استعملوا اساليب الاحتيال والتزوير والتواطؤ مع شهود زور لبيعها. بعض عمليات البيوع تمتّ عبر المحاكم، التي ثبّتت البيوع، وأصدرت أحكاماً قضائية بنقل الملكية للملاك الجدد، ممن انتحلوا صفة المالكين.
وبحسب المحامي محمد الصطوف، فإن عوامل متعددة سهّلت وقوع الاحتيال، ومنها؛ إن تلك العقارات السكنية تقع ضمن مناطق السكن العشوائي، أو أبنية غير مرخصة في مناطق منظمة، أو ابنية مملوكة على الشيوع وتوجد خلافات تحول دون فرزها بين الورثة. أي أن تلك العقارات غير مسجلة في المصالح العقارية، أي غير ملحوظة في السجلات العقارية، إلا بصفة أرض غير مبينة. وبالتالي، فتلك الأبنية المقامة عليها، غير ملحوظة، غير مفروزة، وغير مسجلة بأسماء أصحابها. أيضاً، غياب أصحاب العقارات، غالباً بشكل قسري، نتيجة الملاحقة الأمنية أو التهجير القسري خارج مناطق سيطرة النظام. ويُسهّل ذلك استيلاء الآخرين على عقارات الغائبين، بغصبها أي وضع اليد عليها وإشغالها من دون سند قانوني، وبالتالي بيعها بعد إيهام المشترين بأنهم مالكيها. يضاف إلى ذلك، انتشار عمليات نقل الملكية من دون اتباع الأصول القانونية الصحيحة في مناطق سيطرة النظام خلال السنوات الماضية، بسبب ضعف المساءلة والملاحقة للمسؤولين عن عمليات التزوير والاحتيال، وانتشار الفساد في المحاكم والمصالح العقارية. ولا يمكن هنا اغفال دور تسلط الأجهزة الأمنية على القضاء، وحمايتها للفاسدين وواضعي اليد على عقارات الغائبين، وأغلبهم من منتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية.
مثلاً، في حي مساكن هنانو بمدينة حلب، استغل صاحب مكتب عقاري يدعى أحمد، معرفته بقضية دار عربية قديمة، مملوكة على الشيوع بين مجموعة من الورثة، لكل منهم أسهم فيها. أحمد، تمكن من الحصول على صورة عن وثيقة حصر إرث بأسماء الورثة. وبعدها انتحل أحمد، صفة أحد الورثة واسمه مصطفى. بحضور شاهدين متواطئين، أجرى أحمد عقد بيع مع مشترٍ لا يعلم بالقضية. ووقّع أحمد، بوصفه مصطفى، والشاهدان المتواطئان، والمشتري، على عقد البيع لكامل العقار.
إستكمالاً لعملية الاحتيال، طلب أحمد من محامٍ متواطئ معه، تنظيم وكالة قضائية عن المشتري، لرفع دعوى ضد أصحاب الإرث الحقيقيين، وبينهم مصطفى، بغرض تثبيت البيع أمام المحكمة. (هل تكون هنا دعوى ازالة شيوع) الاحتيال الثاني في القضية، كان عبر تبليغ المدعى عليهم أصحاب الحصص الإرثية، على عناوين إقامة غير حقيقية لهم.
في قانون أصول المحاكمات المدنية، ينبغي على المحكمة تبليغ المدعى عليهم، للحضور وفق الأصول المتبعة. ويتم التبليغ بالذات، أو بالواسطة عبر أحد أقارب المدعى عليه المقيمين معه في المسكن، أو لصقاً على باب المسكن. وفي حال تبين للموظف المكلف بالتبليغ، أن المدعى عليهم مسافر خارج البلد، فيجب عليه شرح ذلك في مذكرة التبليغ، وعندها توقف المحكمة عملية السير في الدعوى. ويجوز بحسب قانون أصول المحاكمات المدنية تبليغ المدعى عليه المقيمين خارج سوريا إذا كانوا معروفي مكان الإقامة.
كان يجب على المحكمة أن تبحث في صحة عناوين إقامة المدعى عليهم، وأن تحيل إلى الشرطة كتاباً لإجراء التحقيق المحلي حول أماكن وجودهم داخل البلاد، قبل متابعة إجراءات الدعوى. إذ أن صحة التبليغ، تعتبر من النظام العام، ويمكن للمحكمة أن تبحث في ذلك من تلقاء نفسها، لما يترتب عليه بطلان إجراءات الدعوى.
في ظل التبليغ الوهمي، لم يتمكن المدعى عليهم، أصحاب الإرث الحقيقيين، من معرفة وجود الدعوى بحقهم، وبالتالي لم يحضروا ولم يتمثلوا في الدعوى لإقرار البيع أو إنكاره وتقديم الدفوع. وهنا، حدث الاحتيال الثالث، عندما طلب المحامي المتواطئ، وكيل المشتري، إثبات عقد البيع المزور. حيتها، طلبت المحكمة إجراء الخبرة للتأكد من عائدية البصمات على العقد. وقد جاء تقرير الخبرة بتعذر تحديد العائدية، لعدم العثور على بصمات المدعى عليهم، في الدوائر الرسمية، لمضاهاتها مع البصمات على عقد البيع.
حينها، كلّفت المحكمة المحامي وكيل المشتري، بجلب الشهود على العقد، وهم شهود زور. وقد حضر أولئك، وأفادوا بأن عملية البيع تمت أمامهم، وأن البصمة على العقد قد حصلت أمامهم من قبل أحد الورثة في المكتب العقاري. وادعى شهور الزور بحدوث اتصال مع بقية الورثة، عبر تطبيق واتساب، بالصوت والصورة، خلال عملية توقيع العقد، وأقروا ببيع حصصهم الإرثية.
وقد اعتمدت المحكمة تلك الأقوال دليلاً أساسياً وحصرياً لتثبيت البيع، ونقل الملكية من اسم البائعين، إلى اسم المشتري.
في ظل هذه الإجراءات، خالفت المحكمة القانون لدرجة ترقى إلى ارتكابها خطأً مهنياً جسيماً عندما تساهلت في عملية نقل ملكية عقار، بناءً على أقوال شاهدين ودون حضور أي من المالكين، وحتى دون أن يثبت لها توقيعهم على العقد. بل اعتمدت المحكمة أقوال شاهدين، زعما حضورهما عملية البيع. وكان يجب على المحكمة في هذه الحالة أن ترد الدعوى لعدم قيام الدليل على صحة البيع.
في هذه الحالة، يمكن لأصحاب العقار الأصليين والمشتري الجديد، إقامة دعوى جزائية بموضوع تزوير واحتيال ضد المحامي وصاحب المكتب العقاري، ودعوى شهادة زور ضد شاهدي العقد. ولكن، ينبغي على المالك في البداية أن يثبت من خلال الدعوى أنه كان مقيماً خارج البلاد، أو لم يعلم بالتبليغ لأنه ملاحق أمنياً ومتخفٍ، ولم يوقع عقد بيع ولم يتخذ إقامة مختارة. وعند ذلك يمكن للمحكمة الحكم ببطلان البيع، وأن تفرض بحق المدعى عليهم (المحامي وصاحب المكتب العقاري) الجزاء المقرر في قانون العقوبات عن تلك الجرائم وهي عقوبة الحبس التي قد تصل إلى الحبس ثلاث سنوات مع التعويض عن العطل والضرر. ويمكن للمتضررين، من ملاك العقارات والمشترين الجدد، إقامة دعوى مخاصمة على قاضي المحكمة التي أصدرت الحكم، لإرتكابه خطأ مهنياً جسيماً من خلال نقل الملكية دون دليل حقيقي.
