مفتاح: إخلاء العقارات المؤجرة الخاضعة للتمديد الحكمي
بعد سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول 2024، عمل أصحاب بعض العقارات المؤجرة وفق نظام التمديد الحكمي، على استعادتها، وإخلاء المستأجرين. في بعض الحالات، استعان أصحاب تلك العقارات، بالقوى العسكرية التابعة لهيئة تحرير الشام، لإخلاء المستأجرين، من دون المرور بالمحاكم. ويبدو الأمر غريباً، إذ أن المحاكم في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب، لم تلغِّ فعلياً العمل بنظام التمديد الحكمي.
والعقارات المؤجرة وفق قانون الإيجار القديم رقم 111 لعام 1952، تخضع للتمديد الحكمي أي تمديد عقد الإيجار حكماً، بغض النظر عن رغبة وإرادة المؤجّر، ما يهدر حقوق المؤجّر ويناقض المبدأ القانوني العقد شريعة المتعاقدين، الذي نصّت عليه المادة 148 من القانون المدني السوري. إذ يمنح التمديد الحكمي حقوقاً لأحد المتعاقدين، على حساب الآخرين، لم يتم الاتفاق عليها عند تحرير العقد. ورغم صدور قوانين إيجار متعددة منذ ذلك التاريخ، إلا أن أي منها لم يجد حلاً لمشكلة العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي. جزء كبير من تلك العقارات تستأجرها جهات رسمية وحكومية سورية. قانون الإيجار رقم 6 لعام 2001، أعطى لمالك العقار الحق في إقامة دعوى إنهاء العلاقة الإيجارية، بشرط أن يدفع للمستأجر نسبة 40% من قيمة العقار المأجور. وهذه النسبة تمثل مبلغاً كبيراً، وما تزال محط جدل بين الأوساط الحقوقية. قانون الإيجار رقم 20 لعام 2015، أحدث قانون لتنظيم أحكام الإيجار، لم يضف أي حل لمشكلة التمديد الحكمي.
وما يحدث منذ 8 ديسمبر 2024، واسترداد بعض العقارات المؤجرة الخاضعة للتمديد الحكمي، بالقوة، هو أمر مخالف لأحكام القانون الساري. إذ ليس للمحاكم حق إصدار أحكام بإخلاء المستأجر وإنهاء التمديد الحكمي، إن لم يدفع المالك نسبة 40% من قيمة العقار. نص القانون واضح في هذا المجال، ووفقاً للمبدأ القانوني “لا اجتهاد في مورد النص”، فإن الحكم الصادر بإخلاء العقار دون تحقق هذا الشرط يخالف القانون.
وبالتالي، تحتاج مشكلة التمديد الحكمي إلى حل يتمثل في إصدار قانون جديد يلغي أو يعدل النص القانوني المتعلق بالتمديد الحكمي، ويحسم الخلاف الحاصل على أسس عادلة تحفظ حقوق كلا الطرفين. ومن ذلك مثلاً أن ينص القانون الجديد على إنهاء حالة التمديد الحكمي، مع إعطاء المستأجر مهلة زمنية معقولة حتى يؤمن عقاراً بديلاً مع دراسة إمكانية وضع نسب تعويض عادلة وفقاً لنوع العقار وأهميته.
أما الحكومة الحالية وبوصفها حكومة تسيير أعمال، تقتصر صلاحياتها من الناحية القانونية على استمرار عمل المرافق العامة وتسيير المؤسسات، ويمكن لها تجميد قوانين أو نصوص قانونية تتضمن انتهاكات أو تجاوزات، ولكن هذه الحكومة من الناحية القانونية، لا تملك صلاحية إصدار أو تعديل قوانين لأن ذلك يحتاج إلى سلطة تشريعية.
وفي حال تمت عملية إخلاء العقار المأجور من قبل جهات غير قضائية، فهو إجراء غير قانوني، ويمكن للمستأجر الذي تم إخلاؤه بهذه الطريقة، أن يقيم دعوى للمطالبة باسترداد حيازته القانونية استناداً إلى حقه في التمديد الحكمي الذي ينص عليه القانون، إلا إذا وافق المالك على دفع نسبة 40% من قيمة العقار المأجور. كما يترتب على عملية إخلاء المستأجر من العقار بهذه الطريقة مسؤولية جزائية لان هذا الفعل يشكل جريمة استيفاء الحق بالذات وفقاً لقانون العقوبات السوري.
لفهم كيفية تعامل المحاكم في مناطق سيطرة المعارضة مع قضية العقارات المؤجرة وفق التمديد الحكمي، يجب إلقاء الضوء على كيفية تطور تلك المحاكم وآلياتها الإجرائية والقانونية. بعض تلك المحاكم تأسست في مناطق المعارضة منذ العام 2012، وسُمّيّت بالمحاكم الشرعية لأنها استندت في أحكامها إلى الشريعة والفقه الإسلامي، بينما حافظ بعضها على طابع قانوني وضعي وإجرائي باعتمادها على القانون العربي الموحد، الذي وضعته جامعة الدول العربية، في العام 1996، بهدف توحيد القوانين في الدول العربية، وهو يستمد مبادئه وأحكامه بشكل كبير من الشريعة الإسلامية.
في العام 2017، اعتمدت المحاكم في مناطق سيطرة الحكومة السوري المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني السوري، تطبيق القانون العربي السوري بمرجعية دستور 1950، مع بعض التعديلات التي تقتضيها المرحلة. أما في مناطق هيئة تحرير الشام، فتم تطبيق الشريعة الإسلامية مع بعض القوانين الصادرة عن حكومة الإنقاذ.
تلك المحاكم واجهت منذ البداية قضية التمديد الحكمي، وتبنت مقاربات متشابهة لحلها. مثلاً، تقدّم بعض ملاك العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي بشكوى إلى الهيئة الشرعية في أحياء مدينة حلب الشرقية، ما بين العامين 2012-2016، لإخلاء مستأجرين وفق نظام التمديد الحكمي. وقامت تلك الهيئة، بإصدار قرارات إخلاء وتنفيذها، من دون أي تعويض للمستأجر. الهيئة تركت لمالك العقار خارج إطار المحكمة، في حال رغب، بتعويض المستأجر بأي مبلغ مالي. وهذا التعويض غير ملزم، وإنما يمكن أن يُقرره أهل الخبرة والعرف من تجار العقارات. استندت الهيئات الشرعية بعمليات الإخلاء إلى فتاوى شرعية تحرم على المستأجر البقاء في المأجور بعد انتهاء مدة عقد الإيجار، ولا تجيز له تقاضي أي مبلغ مقابل إخلاء العقار.
في مدينة إدلب الخاضعة لسيطر هيئة تحرير الشام، فقد أصدرت حكومة الإنقاذ التعميم رقم 13 المؤرخ في 15/1/2018 والمذكرة التفسيرية الملحقة به. وبمقتضى ذلك، فقد منعت الحكومة المحاكم من النظر في دعوى إنهاء العلاقة الإيجارية التي يقيمها المالك على المستأجر لإخلاء العقار المأجور المعد لأغراض السكن أو التجارة أو الصناعة الخاضعة للتمديد الحكمي بموجب القانون 111 لعام 1952. وبناءً على ذلك، يلتزم المالك، بتمديد الإيجار لأجل غير محدد، بمعنى أنها أبقت الوضع على ما هو عليه يخضع لأحكام التمديد الحكمي.
