مفتاح: آلية استرداد العقارات المصادرة بموجب أحكام محكمة الإرهاب
ضيّق نظام الأسد، منذ ثورة العام 2011 وحتى سقوطه في 8 ديسمبر 2024، على حقوق الملكية والسكن، عبر الكثير من القوانين التي استهدفت الاستيلاء على ممتلكات المعارضين، ومصادرتها. ومن أبرزها قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 الذي لم يضع تعريفاً أو معايير واضحة للعمل الإرهابي، ما أتاح المجال لاتهام المعارضين السياسيين بالإرهاب، والحكم عليهم بأقصى العقوبات، ومصادرة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة. ولهذا الغرض تولت محكمة الإرهاب المنشأة بالقانون 22 لعام 2012 تطبيق أحكام قانون الإرهاب، وتجميد أموال المتهمين، ونقلها إلى الخزينة العامة.
وقد مثّلت محكمة الإرهاب، نموذجاً صارخاً في الخروج عن قواعد التقاضي والأصول القانونية المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية في كل ما تقوم به من أعمال التحقيق والمحاكمة، وضمها ضباطاً في دوائر التحقيق والمحاكمة. وبالتالي، المحكمة لا تحترم مبادئ المحاكمة العادلة، ولا تراعي حق المتهم في الدفاع والاطلاع على التهم الموجهة له، ومراقبة سلامة الإجراءات. ويمكن للمحكمة أن تحكم على المتهم غيابيا وتصادر ممتلكاته والتنفيذ عليها دون السماح له بالاعتراض على الحكم الغيابي.
اليوم، ومع سقوط النظام، يفتح السؤال مشرعاً عن ضرورة إلغاء هذه المحاكم الاستثنائية، والقوانين الناظمة لها، والتعويض على المتضررين منها. وهناك ثلاثة طرق لإلغاء هذه القوانين:
الطريقة الأولى؛ إصدار قانون جديد من السلطة التشريعية الجديدة، (بعد انتخاب مجلس شعب جديد)، ينص على الإلغاء الكلي لتلك القوانين صراحة. ولكن، في هذه الحالة يقتصر إلغاء القانون على تطبيقاته المستقبلية، لأن إلغاء القوانين لا يكون بأثر رجعي وفقاً لقاعدة عدم رجعية القوانين. وينص هذا المبدأ على أن القوانين يجب أن تصدر بأثر فوري على المستقبل، ولا يكون لها أثراً رجعياً على الماضي، منعاً للمساس بحقوق مكتسبة. وأي قانون يصدر بأثر رجعي يعتبر مخالفا لهذا المبدأ. وبالتالي لا يمكن لمن صدر حكم بمصادرة ممتلكاته أن يستعيدها.
الطريقة الثانية؛ يمكن الطعن بعدم دستورية القانونين 19 و22 أمام المحكمة الدستورية العليا. ويمكن اعتبار هذه القوانين غير دستورية باعتبارها تشكل انتهاكاً لحق المتهم في المحاكمة العادلة؛ كحرمانه من حقه في معرفة التهم الموجهة إليه، والرد عليها، وحرمانه من المحاكمة الوجاهية، حيث يمكن أن تحكم عليه غيابيا بأقسى العقوبات دون السماح له بالاعتراض على الحكم، كما تحرمه من المحاكمة الحق في الدفاع والطعن.
المحكمة الدستورية هي هيئة قضائية مستقلة مقرها في مدينة دمشق تتألف من 11 قاضياً وتختص بمهام الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين، والإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية، ومحاكمة رئيس الجمهورية بتهمة الخيانة العظمى. المشكلة أن المحكمة الدستورية بتركيبتها الحالية، غير موثوقة، باعتبارها معينة من قبل رئيس الجمهورية المخلوع. وذلك بحد ذاته يعتبر انتهاكا لمبدأ استقلالية القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات الذي يوجب عدم تدخل كل سلطة من السلطات الثلاث في عمل الأخرى.
في كل الأحوال، يمكن التقاضي أمام المحكمة الدستورية العليا، بموجب المادة 147 من الدستور السوري لعام 2012، عبر طريقتين، للطعن بعدم دستورية قوانين الإرهاب: أولاً؛ يمكن لأحد الخصوم، في معرض دعوى مقامة أمام محكمة النقض لدى الغرفة الجزائية، أن يدفع بعدم دستورية الحكم الصادر بحقه من محكمة الإرهاب. ويمكن لمحكمة النقض، أن تحيل هذا الدفع بعدم الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا، لإعلان عدم دستورية تلك القوانين. ثانياً؛ يمكن للحكومة السورية الجديدة، تشكيل لجان لدراسة القوانين التي تنتهك الدستور وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في المخالفات الدستورية الحاصلة واتخاذ الإجراء بإلغاء تلك القوانين.
إلغاء القانون من قبل المحكمة الدستورية، يكون بأثر رجعي. بمعنى سيتم إبطال كل ما ترتب عليه من آثار في الماضي. بحسب المادة 49 الفقرة دال، من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 7 لعام 2014، ففي حال الحكم بعدم دستورية نص جزائي، تُعدُّ الأحكام الصادرة بموجبه كأنها لم تكن. ويقوم رئيس المحكمة بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء المقتضى اللازم. وهذا يعني إلغاء جميع الأحكام الصادرة بالإدانة وما ترتب عليها من عقوبات وعمليات مصادرة للممتلكات.
الطريقة الثالثة؛ نظراً لكثرة أحكام سلب الملكية العقارية لأسباب سياسية، بموجب وسائل قانونية، يمكن أن تدرج عملية استردادها لأصحاب الحقوق، ضمن برنامج وطني لرد الملكيات العقارية المُصادرة أو المباعة بالمزاد العلني. إذ يمكن تخصيص برنامج مستقل لرد الممتلكات بدعم دولي وبخبرات محلية، يتم من خلاله التركيز على رد الممتلكات التي تعرضت للمصادرة أو الاستيلاء سواء عبر القوانين التي أصدرها النظام أو عملية الاستيلاء التي لا تستند إلى أساس قانوني، عبر لجان مختصة تقوم بدراسة كل القضايا ومن ثم إعادة الممتلكات أو التعويض المرضي لملاكها.
التحديات المتعلقة بالإلغاء بأثر رجعي
تبقى قضية إشكالية معلقة في حال الأثر الرجعي لإبطال القانون، وهي فيما يتعلق بالممتلكات التي جرت مصادرتها بموجب أحكام محاكم الإرهاب، إذا ما كان قد تم التصرف بها وبيعها، بموجب القانون 26 لعام 2023، الخاص بعملية التصرف بالأموال المنقولة وغير المنقولة المصادرة بحكم قضائي، والذي تم من خلاله نقل ملكية الأموال المصادرة العائدة للمحكوم عليه بحكم صادر عن محاكم الإرهاب.
بموجب القانون 26/2023 تتولى وزارتا الزراعة والمالية، نقل ملكية أملاك المحكومين أمام محكمة الإرهاب، إلى جهات عامة أخرى، أو استثمارها أو بيعها وايداع الإيراد الناتج عنها في الخزينة العامة ضمن حساب خاص بالأموال المصادرة. ولذلك يمكن الرجوع إلى سجلات الوزارتين لمعرفة مآل تلك الأملاك واستردادها. ولا يمكن للمشتري الذي آلت إليه ملكية تلك العقارات، أن يحتج بأنه مشترٍ حسن النية، إذ أنه اشترى العقار بالمزادات، وهو يعرف بأنه ناتج عن مصادرة عقار لمحكومٍ أمام محكمة الإرهاب.
خلاصة
الطريق إلى استعادة الممتلكات المصادرة يستوجب القيام بتعديلات تشريعية، ويواجه تحديات دستورية، أو يتطلب إنشاء برنامج لتعويض المتضررين. ورغم تعقيد كل نهج من هذه الطرق، إلا أن الهدف المشترك بينها هو استعادة العدالة، والحفاظ على حقوق الملكية، وتعويض المتضررين من سنوات المصادرات المنهجية بموجب قوانين ظالمة.
