معمل الراموسة ومحاولة تحويل أنقاض حلب الشرقية إلى مورد لإعادة الإعمار
يصطدم التعامل مع ملف إعادة الإعمار وتحسين الواقع الخدمي في أحياء حلب الشرقية بحجم الأنقاض المتراكمة نتيجة سنوات الحرب، في ظل غياب برامج أو دراسات رسمية شاملة لمعالجة هذا الملف. وبينما بقيت قدرة السلطات البلدية والمحلية محدودة واقتصرت تدخلاتها على مواقع متفرقة، ظهرت مبادرات جزئية من جهات دولية ومحلية لإزالة وتدوير الأنقاض ضمن أطر زمنية وجغرافية ضيقة.
في هذا السياق، برزت إعادة تشغيل معمل تدوير الأنقاض في منطقة الراموسة بوصفه محوراً أساسياً في التعامل مع الركام، سواء لجهة ترحيل الأنقاض من الأحياء المتضررة أو لجهة رفد قطاع البناء بمواد معاد تدويرها. غير أن محدودية نطاق التدخلات، وتفاوت نسب الدمار وطبيعة النسيج العمراني بين الأحياء، واستمرار التعثر في إدارة ملف الأنقاض، أبقت الجهود القائمة في إطار حلول جزئية لا تعكس حجم الدمار القائم ولا تواكب متطلبات إعادة الإعمار في الشطر الشرقي من المدينة.
غياب البيانات واتساع الفجوة
وحتى اليوم، لا تتوفر إحصاءات رسمية تحدد حجم هذه الأنقاض أو توزعها بين الأحياء المختلفة، الأمر الذي يعيق التعامل مع الملف على أسس تخطيطية واضحة. وفي المقابل، اقتصرت عمليات إزالة الأنقاض خلال السنوات الماضية على حملات جزئية ومحدودة، استهدفت بعض الشوارع والمواقع في أحياء مثل كرم حومد وكرم الدعدع والشعار والصاخور وقاضي عسكر، وأسفرت عن ترحيل كميات متواضعة قياساً بحجم الدمار القائم. بينما لم تشمل الأعمال جميع الأحياء المتضررة، وبقي عدد كبير منها خارج أي تدخل فعلي.
كما أن تفاوت نسب الدمار بين الأحياء، ووجود مناطق يغلب عليها البناء المخالف أو العشوائي، حال دون إجراء تقييمات دقيقة أو تنفيذ أعمال إزالة واسعة النطاق، ما أبقى ملف الأنقاض مفتوحاً على حلول جزئية لا تعكس حجم المشكلة القائمة.
محدودية الدور المحلي
هذا التفاوت بين اتساع رقعة الأحياء المدمرة وضيق نطاق الأعمال المنفذة يبرز محدودية قدرة الجهات المحلية على إدارة ملف الأنقاض. مجلس مدينة حلب، الذي يقع على عاتقه الدور الأساسي في إزالتها، لم يتمكن حتى اليوم، بحسب مراسل سيريا ريبورت، من اعتماد خطة شاملة تشمل الأحياء المتضررة ولا إجراء عمليات تقييم منهجية لنسب الدمار، واقتصر تدخله على مواقع متفرقة تبعاً للإمكانات المتاحة.
تدخل دولي جزئي ومؤقت
في ظل محدودية قدرة الجهات المحلية على التعامل مع ملف الأنقاض، برز تدخل محدود من المنظمات الدولية، تمثّل بإطلاق مشروع لترحيل وتدوير الأنقاض بالشراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومحافظة حلب. وأعلن محافظ حلب عزام الغريب، في منشورين على صفحته الشخصية في فيسبوك بتاريخ 24 أكتوبر، عن بدء تنفيذ المشروع الذي يشكّل خطوة نحو تحسين الواقع الخدمي وخلق فرص عمل، ولا سيما في المناطق الأكثر تضرراً.
وربط المحافظ المشروع بإعادة تأهيل البنية التحتية وشبكة الكهرباء، وتدوير الأنقاض، ودعم معمل الراموسة، واصفاً هذه الإجراءات بأنها بداية لإعادة الإعمار من النقطة الأولى، ومؤكداً أن ما يجري لا يندرج ضمن مشروع تنموي بقدر ما يعكس حاجة الأهالي للبدء من جديد.
وقد أُعلن عن المشروع في أكتوبر الماضي، ضمن إطار العمل مقابل المال، ولمدّة زمنية محددة بثمانية أشهر، مع تركيزه على توفير فرص عمل مؤقتة لعمال وعاملات ومشرفين ومشرفات ميدانيين، بعد إخضاعهم لتدريبات تتعلق بالسلامة المهنية ومخاطر الألغام ومخلّفات الحرب. وحدّد المشروع أجراً شهرياً قدره 200 دولار للمشرفين و250 دولاراً لباقي العاملين.
ويتركّز نطاق العمل المعلن عنه في أحياء قاضي عسكر وباب النيرب والمدينة القديمة، التي تُعد من أكثر مناطق الشطر الشرقي تضرراً من حيث نسب الدمار في الأبنية السكنية وطبيعة نسيجها العمراني التاريخي. ويفترض أن تُنقل الأنقاض من تلك المناطق إلى معمل تدوير الأنقاض في منطقة الراموسة جنوبي حلب. وبذلك، يمكن القول إن هذا التدخل جاء كاستجابة جزئية لسد فجوة قائمة في ملف الأنقاض، من دون أن يشكّل سياسة عامة أو خطة شاملة لمعالجة الركام في أحياء حلب الشرقية.
أدوار محلية موازية
إلى جانب التدخل الدولي المحدود، توزّعت أدوار التعامل مع ملف الأنقاض بين مجلس مدينة حلب وجهات محلية أخرى، أبرزها الدفاع المدني السوري عبر حملات لإزالة الأنقاض شملت عدداً من أحياء شرق حلب. وتمكّن الدفاع المدني من ترحيل نحو 128 ألف متر مكعب من الأنقاض عبر حملاته التي شملت 16 حياً من أحياء الشطر الشرقي للمدينة، بحسب ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية سانا في 16 نوفمبر الماضي.
وقد نُفّذت هذه الأعمال ضمن برنامج تعزيز المرونة المجتمعية، بالتعاون مع محافظة حلب، وبتمويل من صندوق مساعدات سوريا، وهو صندوق تمويلي دولي أُنشئ عام 2012 كمبادرة من مجموعة دول مانحة لدعم الاستجابة الإنسانية والخدمية في سوريا، ويعمل كآلية تمويل مرنة لتنفيذ مشاريع محددة عبر شركاء ميدانيين.
معمل الراموسة
يُعد معمل تدوير الأنقاض في منطقة الراموسة أحد المرافق القليلة المخصصة لإعادة تدوير مخلفات الدمار في مدينة حلب. أُنشئ المعمل على مساحة تُقدّر بنحو 85 ألف متر مربع، وبدأ العمل به مطلع عام 2018 بدعم من إحدى المنظمات الدولية، حيث أنتج حينها مواد مختلفة كالبلاط والبحصة الفولية والزرادة.
إلا أن عمل المعمل لم يستمر طويلاً، إذ توقّف مطلع عام 2020 على خلفية شبهات فساد طالت مسؤولين في مجلس المدينة ومحافظة حلب. وبعد ذلك بعامين، طُرح المعمل للاستثمار عبر مزاد علني، غير أن المحاولة لم تُكتب لها الاستمرارية، نتيجة عدم قدرة أو تراخي مجلس المدينة في تأمين كميات كافية من الأنقاض اللازمة لتشغيل خطوط الإنتاج.
وأشار مراسل سيريا ريبورت إلى ترحيل كميات كبيرة من الأنقاض إلى باحة المعمل من قبل مجلس المدينة والدفاع المدني، ما أتاح إعادة تشغيله نهاية أكتوبر المنصرم. وتوجد حالياً خطة لترحيل المزيد من أنقاض الأحياء المدمرة إلى المعمل، بهدف تشغيله على مدى طويل، مع قدرة إنتاجية تصل إلى إعادة تدوير أكثر من 50 ألف متر مكعب من الأنقاض يومياً، في محاولة لاستثمار هذا المرفق بعد سنوات من التعثّر والتوقف.
الراموسة كمورد محتمل لقطاع البناء
يرى المقاول عيسى عثمان، في حديثه لسيريا ريبورت، أن توريد معدات ثقيلة جديدة وتوسعة معمل تدوير الأنقاض في الراموسة يمكن أن يشكّلا منعطفاً في قطاع البناء في مدينة حلب. ويشير إلى أن تشغيل المعمل كخط إنتاج محلي ورسمي يتيح رفد سوق مواد البناء بمواد معاد تدويرها مثل البحص والنحاتة والقرميد والبلاط، وبأسعار أقل من مثيلاتها المنتجة في القطاع الخاص.
وبحسب عثمان، من شأن ذلك أن يخفّض كلفة البناء، ويشجّع المتعهدين والمقاولين والتجار على إعادة بناء الوحدات السكنية المدمرة أو إنشاء وحدات جديدة، كما يخفف الأعباء المالية عن السكان الذين يضطرون إلى ترميم منازلهم على نفقتهم الخاصة. ويضيف أن توفر هذه المواد محلياً قد يسرّع وتيرة عمليات إعادة البناء الفردية، مقارنة بالوضع القائم الذي يتسم بارتفاع الأسعار ومحدودية العرض. كما يلفت إلى أن معامل وورش القطاع الخاص العاملة في قطاع البناء لا تمتلك حالياً القدرة الكافية على تأمين كميات المواد المطلوبة لمرحلة إعادة بناء واسعة، ما يجعل الاعتماد على المواد المعاد تدويرها من الأنقاض عاملاً مهماً في سد جزء من هذا النقص خلال المرحلة المقبلة.
استخدامات خدمية محتملة
من جهته، يشير عبد الله طيفور، رئيس وردية في معمل تدوير الأنقاض في الراموسة، في حديثه لسيريا ريبورت، إلى أن تشغيل المعمل بطاقته القصوى مستقبلاً يمكن أن ينعكس بشكل إيجابي على إعادة تأهيل مباني القطاع العام المتضررة وتحسين البنية التحتية في مدينة حلب.
ويوضح أن منتجات المعمل المعاد تدويرها يمكن أن تُستخدم في تنفيذ مشاريع مجلس المدينة الخدمية، بما يشمل ترميم المرافق العامة والطرقات والأرصفة وتأهيل الساحات العامة والحدائق. وبحسب طيفور، فإن توفر هذه المواد محلياً يسهّل تنفيذ المشاريع الخدمية ويختصر الزمن اللازم لإنجازها، مقارنة بالفترة التي أعقبت سقوط النظام، والتي عانت خلالها المدينة من نقص واضح في مواد البناء اللازمة لأعمال الترميم وإعادة التأهيل.
