معارك قانونية لاستعادة الأملاك المغتصبة جنوبي دمشق
واجه عائدون إلى مخيم اليرموك وحي التضامن جنوبي دمشق، مشاكل معقدة تتعلق بملكياتهم العقارية، بعد اكتشافهم عمليات بيع واستيلاء عليها تمت بموجب عقود مزورة أو تحت الضغط الأمني خلال سنوات غيابهم عنها. وبحسب الوقائع والشهادات الميدانية التي حصلت عليها سيريا ريبورت، فإن شبكات تضم سماسرة وأصحاب مكاتب عقارية وأحياناً محامين، كانت قد استغلت أوضاع بعض المُهجّرين، وفقدانهم وثائقهم الشخصية والعقارية، واحتالت عليهم لسلبهم ممتلكاتهم.
التزوير عبر الوثائق المفقودة
في نيسان 2025، عاد خليل إلى منزله بعد سنوات من التهجير في لبنان، ليجد عائلة غريبة تقطن منزله الواقع باتجاه الفرن الآلي على طرف مخيم اليرموك، الذي كان يضم غالبية من النازحين الفلسطينيين مع خليط من مواطنين سوريين، ممن تعرضوا لموجتي تهجير؛ الأولى جزئية في العام 2012، والثانية شاملة في العام 2018 بعد سيطرة قوات النظام على المنطقة.
يروي خليل لسيريا ريبورت، أنه وزوجته وابنه، نزحوا من المخيم في كانون الأول 2012، هرباً من قصف الدبابات التابعة لقوات نظام الأسد. النزوح كان مفاجئاً، إذ ترك الزوجان الشقة، ومرّا على معهد الخيام لاصطحاب ابنهما الطالب في الصف الثالث الثانوي حينها. في ذلك الجو المشحون بالرعب، لم يأخذ الزوجان معهما سوى مبلغ مالي سبق ورصدوه لمثل تلك اللحظة. لكن خليل نسي هويته الشخصية في المنزل.
يقول خليل أنه بعد عودته إلى منزله في المخيم، واجه العائلة التي تقطنه من غير علمه. ويضيف: “أكد لي رب الأسرة أنه اشترى الشقة بعقد بيع قطعي عن طريق أحد سماسرة العقارات في المنطقة، وأبرز لي نسخة العقد. وهنا كانت الصدمة، حيث تبين أن العقد تم بين الشاغل الحالي للعقار والسمسار بوصفه وكيلاً عني”. ويرجح خليل أن يكون السمسار قد حصل على هويته الشخصية التي تركها خلفه، فنظم وكالة خاصة، وتصرف بالمنزل. يقول خليل إنه علم أن السمسار هرب من المخيم بعد سقوط نظام الأسد بفترة قصيرة.
خليل وكّل محام لاستعادة عقاره، والذي فضّل اعتبار شاغل العقار الحالي هو طرف ثالث “حسن النية” وقع ضحية احتيال السمسار، لا كغاصب للعقار. وبناء على ذلك، رفع المحامي دعوى لإثبات تزوير الوكالة أولاً، ثم إبطال سلسلة البيوع التي ترتبت عليها ثانياً.
البيع القسري أو تلفيق الاتهامات
في حي التضامن المجاور، والذي يضم خليطاً من الطوائف، اتخذت الانتهاكات شكلاً آخر، ارتبط بالابتزازات والتهديدات. يروي سامر، النازح منذ عام 2012 إلى منطقة مساكن برزة، لسيريا ريبورت، رحلة العذاب التي خاضها للحفاظ على بيته، والتي انتهت بتوقيع قسري على عقد بيعه. المنزل يقع في منطقة مسبق الصنع بالتضامن التي تضررت جزئياً بسبب القنص، والقصف بالقذائف. وسامر ما زال يحتفظ بأوراق المنزل الثبوتية، ومنها سند الملكية.
يقول سامر: “منذ لحظة نزوحي، ظل قلبي معلقاً بجدران منزلي الذي بنيته بشق النفس، وذقت مرارة العمل 18 ساعة في اليوم لدفع إيجار شهري في مساكن برزة”. ومع انتهاء القتال في التضامن وسيطرة قوات النظام على الحي في العام 2018، تجدد الأمل لدى سامر بالعودة، فهو لم يشارك بأي أعمال قتالية مع أي جهة كانت، بحسب ما قاله.
في 8 تموز 2019، تلقى سامر اتصالاً هاتفياً “غيّر مسار حياتي تماماً، بعدما كنت أعيش على أمل العودة القريبة”. ويتابع: “كان المتصل وسيطاً عقارياً يُعرف بصلاته الوثيقة بالأجهزة الأمنية، وخيّرني بين الموافقة على بيع منزلي بمبلغ 7 ملايين ليرة سورية فقط، وبين مواجهة العواقب في حال رفضي”. الأسعار الرائجة للمنازل التي تشبه حالة منزل سامر، كانت تتراوح في ذلك الوقت بين 13 إلى 15 مليون ليرة، بحسب ما قاله. السمسار هدد سامر من العودة إلى الحي، وأخبره بأنه بات مطلوباً للأجهزة الأمنية. وعندما لم ينفع ذلك، هدد السمسار سامر، بأنه “سيلقى حتفه إن عاد إلى التضامن، ولن يعلم بأمره أحد”. يقول سامر إن التهديدات وصلت إلى اتهامه من قبل السمسار بتمويل الإرهاب، وإن لم يتنازل عن منزله سيواجه ملاحقة أمنية بسبب “تعامله مع جهات خارجية”. وبعد أسابيع من التردد، رضخ سامر للسمسار وباع منزله بذلك السعر، كي “لا يواجه مصيراً مجهولاً” في حال تقديمه شكوى للشرطة أو رفعه لدعوى في المحكمة.
وبعد سقوط نظام الأسد، سامر استشار محامياً أخبره بأنه طالما جرى البيع تحت الإكراه، يمكن إبطاله في حال إثبات ذلك. ويمكن إثبات وقوع الإكراه، عبر مقارنة سعر المنزل المُباع، بالقيم الرائجة آنذاك. هذا النمط من البيوع موثق رسمياً في السجلات العقارية، ولكنه يفتقد لعنصر الرضا.
