مشروع صندوق جبر الضرر بين التشريع والتمويل وآليات تعويض المتضررين في سوريا
يتضمن مشروع قانون العدالة الانتقالية، والذي اطّلعت سيريا ريبورت على عدد من تفاصيله، إحداث صندوق خاص لجبر الضرر وتعويض المتضررين من انتهاكات نظام الأسد، بما يشمل المتضررين من خسارة أو تضرر ملكياتهم العقارية. ويأتي هذا الصندوق كأحد المسارات الأساسية لعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في وقت ما تزال فيه الأسئلة المتعلقة بمصادر تمويله وآليات عمله ومعايير التعويض قيد النقاش، بالتوازي مع رهان أوسع على ربط جبر الضرر بإصلاح تشريعي يمنع تكرار الانتهاكات التي طالت حقوق السكن والأرض والملكية خلال السنوات الماضية.
يأتي إدراج صندوق جبر الضرر في وقت يُتوقع فيه عرض مشروع قانون العدالة الانتقالية، بعد استكماله، على مجلس الشعب المنتظر اكتمال تشكيله خلال الفترة المقبلة، وسط تقديرات بأن يكون قانون العدالة الانتقالية من بين أولويات المجلس القادم.
وكان رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع قد أصدر المرسوم 149 في نهاية أغسطس من العام الماضي، القاضي بتشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، أوكلت إليها مهام محاسبة المتورطين في الجرائم المرتكبة خلال حكم النظام السابق، إضافة إلى العمل على جبر الضرر الواقع على الضحايا. وجرى ضمن بنية الهيئة اعتماد عدة مسارات، من بينها مسار جبر الضرر، الذي يشمل معالجة الأضرار المادية والمعنوية، بما في ذلك الأضرار المتعلقة بحقوق الملكية الخاصة.
وأوضح مدير إدارة جبر الضرر في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أحمد حزرومة، لسيريا ريبورت، أن مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية تتضمن بنداً خاصاً بإحداث صندوق جبر الضرر، مؤكداً أن الصندوق سيشمل جميع الضحايا، مع اعتماد مبدأ الأولويات في التعويض، بحيث يُعطى الأشد تضرراً أولوية في الاستفادة من موارده. ولفت إلى أن تحديد هذه الأولويات يتطلب دراسات معمقة، في ظل حجم الأضرار وتنوعها، مشيراً إلى أن إقرار مشروع القانون من قبل مجلس الشعب يشكل خطوة أساسية قبل الانتقال إلى أي مرحلة تنفيذية، مع العمل على أن يتمتع الصندوق باستقلال مالي وإداري.
وفيما يتعلق بمصادر تمويل صندوق جبر الضرر، أشار حزرومة إلى أن التمويل قد يأتي من عدة قنوات، من بينها تخصيص بند مالي من الموازنة العامة للدولة لدعم الصندوق. كما أشار إلى إمكانية الاستفادة من الأموال المستردة في إطار العمل على استعادة الأموال المنهوبة، سواء داخل سوريا أو خارجها، باعتبار أن هذا الملف يدخل ضمن اختصاصات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ما يتيح توجيه جزء من هذه الأموال لتعويض المتضررين.
وأضاف أن المساعدات الخارجية والداخلية قد تشكل مصدراً إضافياً لتمويل الصندوق، من خلال حملات دعم تُخصص لهذا الغرض، انطلاقاً من الهدف المعلن للصندوق والمتمثل في جبر الضرر الواقع على الضحايا.
أما على صعيد آليات التعويض، فأوضح حزرومة أن المرحلة المقبلة ستشهد العمل على إعداد برامج تجريبية قبل تعميم أي نموذج للتعويض، سواء فيما يتعلق بالأضرار العقارية أو غيرها من أشكال الضرر. وبيّن أن الهيئة تواجه تحديات كبيرة في هذا الملف، أبرزها تحديد ما إذا كان بالإمكان تعويض جميع المتضررين، ووضع معايير واضحة للأولوية، وتحديد الفئات التي تنطبق عليها شروط التعويض، إضافة إلى تحديد الفئات الأكثر هشاشة التي يمكن البدء بتعويضها.
وأشار إلى أن هذه الأسئلة لا تزال قيد البحث، في إطار العمل على صياغة آلية تعويض قابلة للتطبيق ضمن الإمكانات المتاحة، وبما ينسجم مع الولاية القانونية للهيئة.
وتطرق مدير إدارة جبر الضرر إلى أن ضمان عدم تكرار الانتهاكات يشكل أحد المسارات الأساسية للعدالة الانتقالية، في إشارة إلى منع تكرار الممارسات التي سادت خلال حكم النظام السابق، ومن بينها مراسيم الاستملاك. وأوضح أن العمل يجري حالياً على تطوير بيئة تشريعية تتيح تنفيذ المهام الموكلة إلى الهيئة ضمن ولايتها الموضوعية، بما يسهم في منع تكرار الانتهاكات المرتبطة بحقوق الملكية والسكن.
وأشار إلى أن مسار عدم تكرار الانتهاكات يرتبط بالإصلاح المؤسساتي وبإعادة بناء منظومة تشريعية سليمة، لافتاً إلى أن الدولة سابقاً كانت قائمة على شبكات محسوبية، جرى تعزيز نفوذها عبر تشريعات صُممت خصيصاً لخدمتها، وأسهمت في انتهاك حقوق الملكية والسكن، وتعزيز توجهات التغيير الديمغرافي لأسباب أمنية وسياسية.
وبيّن حزرومة أن من مهام إدارة جبر الضرر رصد القوانين التي تنطوي على انتهاكات لحقوق الملكية ورفع توصيات إلى الجهات المختصة، سواء من خلال توصيات إدارية تتعلق بعمل المصالح العقارية أو عبر التأكيد على حماية الملكية بوصفها حقاً لا يجوز المساس به. ولفت في الوقت نفسه إلى صعوبة العمل في هذا الملف، نظراً للتعامل مع منظومة واسعة من القوانين المتعلقة بحقوق الملكية والسكن، صدرت في مراحل زمنية مختلفة وتباينت في مضامينها، من دون الخوض في تفاصيل إضافية في ظل عدم إقرار مشروع القانون حتى الآن.
