مشروع حلب الكبرى: إعادة التفكير في المدينة ومحيطها
يعود اليوم الحديث عن حلب الكبرى كنتيجة لمحاولات إعادة التفكير بالمدينة ومحيطها بعد سنوات الحرب من خلال تخديم ضواحيها وربطها اقتصادياً واجتماعياً بالمدينة. هذا الطرح يعكس إدراكاً متزايداً بأن مستقبل التعافي الحضري في حلب لن يُبنى داخل أسوارها وحدها، بل عبر مقاربة إقليمية أوسع تشمل الريف والمناطق المتصلة بها. يطرح هذا المقال قراءة في مفهوم حلب الكبرى، وما يثيره من أسئلة حول التعافي الحضري والعدالة المكانية.
مفهوم حلب الكبرى لا يقوم على توسيع الحدود الإدارية للمدينة أو تحويلها إلى كتلة حضرية واحدة، بل على ربطها بضواحيها ومحيطها الحيوي عبر شبكة خدمات وبنية تحتية تجعل هذه الضواحي مراكز اقتصادية واجتماعية قائمة بذاتها. بذلك يُراد وقف نزيف الهجرة المستمر منذ عقود من الريف إلى المدينة، والذي أدى إلى إهمال الريف وتراجع خدماته.
غير أن الواقع العمراني يضع هذه الرؤية أمام معضلات عميقة، أبرزها الدمار الواسع الذي خلفته الحرب، وانتشار العشوائيات، وضغط سكاني متزايد. وهو ما يجعل أي تصور لحلب الكبرى مشروطاً بقدرة المدينة على تحقيق تعافٍ حضري يدمج المناطق المدمرة وغير المنظمة في نسيج عمراني أكثر توازناً.
من بين تجليات هذا النقاش، ورشة عمل عقدت مؤخراً في حلب، استمرت ليومين وأقيمت في فندق الشهباء، ضمت خبراء ومهندسين وأكاديميين، وتحوّلت إلى مساحة لتجميع المقترحات حول شكل حلب الكبرى. الورشة كشفت عن خطوط رئيسية في التفكير الجاري: الحاجة إلى استدامة عمرانية، وتوزيع أكثر عدلاً للخدمات، وإيجاد رؤية طويلة الأمد تمتد حتى عامي 2040 و2060.
خلال النقاشات التي أثيرت في ورشة العمل، ظهرت أفكار متنوعة. من المقترحات القريبة المدى: توسيع مدينة الشيخ نجار الصناعية لاستيعاب الصناعات المتناثرة، وإنشاء مشاريع ضخمة لإعادة تكرير مياه الصرف الصحي. أما الرؤى البعيدة فشملت مشاريع أكثر طموحاً، مثل جعل أعزاز عقدة مواصلات حديثة مع شبكة طرق ومترو يربطها بمدينة حلب. هذه الطروحات تكشف ازدواجية النظرة: حلول تقنية عملية من جهة، ورؤى أقرب إلى الطموحات المستقبلية من جهة أخرى.
تقديرات بعض خبراء التخطيط تشير إلى أنه لا يمكن توقع حلول متكاملة قبل عام 2040 في أفضل السيناريوهات، بينما تمتد التقديرات الأكثر تحفظاً حتى 2060. هذا الأفق الزمني الطويل يضع حلب الكبرى في خانة الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، لا المشروع التنفيذي المباشر. ويستند ذلك إلى الحاجة لإعادة دراسة جميع مخططات حلب منذ 1898 وحتى 2000، للخروج بخريطة جديدة تستوعب الماضي وتبني عليه.
أحد الدروس المستفادة هو أن ضم القرى والبلدات إلى حلب بموجب مخططات سابقة أدى إلى تراجع خدماتها بعدما فقدت موازناتها الخاصة وربطت بموازنة المدينة. لذلك، فإن أي تصور لحلب الكبرى يجب أن ينطلق من تنمية المحيط الحيوي وربطه بالمدينة عبر شبكة مواصلات وخدمات متطورة، ما قد يوقف الهجرة إلى المركز أو حتى يشجع على هجرة معاكسة.
وهذا يتضمن وضع العشوائيات في حلب، وكذلك المناطق المدمرة، ضمن جدول زمني لتنظيمها وإعادة عمرانها، ودمجها بالنسيج العمراني لحلب الكبرى. كما أن أي تصور لحلب الكبرى يجب أن يحافظ على حقوق المالكين والمستأجرين وشاغلي العقارات غير المرخصة في المناطق غير المنظمة. بينما توحيد المعايير التنظيمية لجميع مناطق حلب الكبرى، مثل ضابطة البناء وشروط الترخيص، فهذا أمر صعب عملياً. إذ لا يمكن أن يكون لأحياء حلب القديمة نفس المعايير للأحياء الحديثة. وتوحيد الأنظمة يُخلُّ بتواصل المدينة، بينما يمكن اعتماد نظام متعدد الضوابط.
وفي المحصلة، يبقى مشروع حلب الكبرى رؤية طموحة تصطدم بواقع التمويل المحدود والبيروقراطية والقوانين القديمة، ما يجعله أقرب إلى خريطة طريق طويلة الأمد أكثر من كونه خطة قابلة للتنفيذ الفوري. إذ تبقى المقاربة الرسمية لمشروع حلب الكبرى من دون اختبار فعلي لمدى إشراك السكان المحليين كفاعلين أساسيين في صياغة مستقبلهم العمراني. فالتجارب السورية السابقة أظهرت أن التركيز على إعادة التنظيم غالباً ما ترافق مع إقصاء المجتمعات وحرمانها من العودة، لصالح أولويات تجارية وأمنية. من هنا، فإن أي تصور لحلب الكبرى يحتاج أن يضع الحق في المدينة والعدالة المكانية في صلب عملياته، بحيث يتجاوز حماية الملكية الفردية ليشمل أيضاً صون الفضاءات العامة والذاكرة الجماعية. وإلا فإن المشروع قد يتحول إلى إعادة إنتاج لأشكال الإقصاء نفسها بدل أن يكون مدخلاً لتعافٍ حضري عادل ومستدام.
