مساع لاسترداد أملاك اليهود في حلب
يفتح ترخيص منظمة تراثية سورية يهودي الباب أمام ملف يتعلق بممتلكات اليهود السوريين الشاغرة والمستولى عليها. وفي مدينة حلب تحديداً، حيث تتركز كتلة أساسية من هذه الأملاك، تتقاطع محاولات إعادة فتح مواقع دينية وتراثية مع طبيعة هذه الأملاك، وما إذا كانت مستولى عليها أم مغصوبة، في ظل غياب أصحابها الأصليين وتعقيدات عمليات حصر الإرث، ومعاملات السجلات العقارية.
لم تحدث هجرة اليهود من سوريا في عقد واحد محدد، بل جاءت على شكل موجات متتالية ارتبطت بسياقات سياسية وأمنية مختلفة. ففي مطلع القرن 20، قُدّر عدد اليهود في سوريا بنحو 100,000 شخص. بدأت الموجة الأولى بعد أحداث ديسمبر 1947 التي أعقبت قرار تقسيم فلسطين، عندما تعرّضت الأحياء والممتلكات اليهودية في مدينة حلب لأعمال عنف شملت القتل والحرق والتخريب، وطالت كنساً ومنازل ومحال تجارية. تلتها موجة ممتدة بين 1950 و1967، في ظل قيود رسمية مشددة فرضتها الدولة السورية على السفر والملكية، ما دفع إلى استمرار الهجرة بطرق غير قانونية وبمساعدة شبكات خارجية. أما أكبر موجات هجرة اليهود السوريين فجرت فعلياً بين 1992 و1994، حين سمح نظام حافظ الأسد رسمياً لليهود السوريين بمغادرة البلاد بعد مؤتمر مدريد، بوساطة أميركية وتحت إشراف أمني سوري، ما أدى إلى مغادرة معظم من تبقى من الجالية اليهودية في سوريا خلال تلك الفترة.
أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة السورية الانتقالية، في 10 ديسمبر 2025، ترخيص عمل “منظمة التراث السوري اليهودي”، المعنية بالحفاظ على التراث اليهودي في سوريا. وتأسست المنظمة على يد عدد من أبناء الجالية اليهودية السورية في الخارج، وتهدف، بحسب ما قاله الحاخام السوري الأميركي هنري حمرا لوكالة فرانس برس، إلى إحصاء الأملاك اليهودية ومتابعة إعادة ما جرى الاستيلاء عليه منها خلال حكم النظام السابق، إضافة إلى حماية المزارات والكنس اليهودية وترميمها وجعلها متاحة للزيارة أمام اليهود من مختلف أنحاء العالم.
ويرأس هنري حمرا، البالغ من العمر 48 عاماً، منظمة التراث السوري اليهودي، وهو نجل يوسف حمرا، الحاخام الأكبر لليهود السوريين في نيويورك، الذي غادر سوريا عام 1992. وكان هنري حمرا قد ترشح لعضوية مجلس الشعب، من دون أن يفوز بمقعد، في المجلس الذي أُعلن عن تعيينه في أكتوبر 2025.
وزار حمرا سوريا أربع مرات منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، ضمن وفود نظمتها منظمة الطوارئ السورية. وتعرّف المنظمة نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها منظمة غير ربحية تأسست عام 2011، ومقرها واشنطن، وتضم نشطاء متطوعين من مختلف أنحاء العالم يعملون على إيصال أصوات السوريين إلى المنصات الدولية وتوثيق الواقع الميداني والدفاع عن مستقبل سوريا الحرة والآمنة والديمقراطية. وقال المدير التنفيذي للمنظمة، معاذ مصطفى، لوكالة فرانس برس، إن فريقه أحصى عشرات البيوت من الأملاك اليهودية التي سُلبت خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، مؤكداً أن عملية التوثيق مستمرة ضمن مسار قانوني يهدف إلى إعادتها إلى أصحابها.
وتتوزع ممتلكات اليهود في مدينة حلب، من منازل ومدارس وكُنسٍ، في أحياء الجميلية والبندرة ومحيط قلعة حلب. وتحتاج معظم هذه الممتلكات إلى ترميم بسبب قدمها، فيما هُدم بعضها في إطار مشاريع تطوير شهدتها المدينة القديمة، أبرزها مشروع تطوير منطقة باب الفرج في أواخر سبعينيات القرن الماضي، والذي استهدف إنشاء أبنية استثمارية ضمن خطة لإعادة تنشيط المنطقة.
لم تتمكن سيريا ريبورت من الحصول على إحصائية رسمية بعدد أملاك اليهود في حلب، غير أن أصحاب مكاتب عقارية في المدينة القديمة قدّروا عددها بنحو 250 عقاراً، تتنوع بين محال تجارية وبيوت قديمة ومبانٍ سكنية طابقية. واستبعد هؤلاء وجود أي من أصحاب هذه العقارات في مدينة حلب حالياً.
اللافت في تصريحات حمرا ذكره مصادرة عقارات لليهود خلال عهد النظام البعثي، وهذا ما لم تتمكن سيريا ريبورت من إثباته. إذ أنه لم يصدر خلال حقبة البعث أي مرسوم أو قرار رسمي ينص على استملاك أملاك اليهود. وكان اليهود السوريون قد خضعوا لمنع من السفر عقب وصول حزب البعث إلى السلطة مطلع السبعينيات، ولم يُرفع هذا المنع إلا مع انطلاق محادثات السلام العربية الإسرائيلية عام 1991 بعد مؤتمر مدريد. ومع ذلك، غادر في تلك المرحلة آخر من تبقى منهم في البلاد، ومن بينهم والد هنري حمرا، بعدما كان عدد اليهود في سوريا يقدّر بنحو 100 ألف شخص في مطلع القرن العشرين.
وبعد يوم واحد من ترخيص منظمة التراث السوري اليهودي، نظّمت منظمة الطوارئ السورية فعالية دينية ثقافية تضمنت زيارة موقعين تراثيين يهوديين في مدينة حلب، الأول كان مدرسة السموأل في حي الجميلية وسط المدينة، والثاني كنيساً يهودياً في محلة باب النصر شرقها. ويعود الموقعان إلى الحقبة العثمانية. وقد أُعيد خلال الفاعلية افتتاح الموقعين أمام الزوار بعد إغلاقهما منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي.
ورغم تسجيل أنشطة مشابهة في العاصمة دمشق خلال الفترة الأخيرة، فإن إعادة افتتاح الموقعين في مدينة حلب تُعد الأولى من نوعها في المدينة منذ عقود. وحاول مراسل سيريا ريبورت حضور فعالية افتتاح مدرسة السموأل في حي الجميلية، إلا أن الطوق الأمني الذي فرضته قوات الأمن العام على الشارع الذي تقع فيه المدرسة حال دون الوصول إليها، مشيراً إلى أن الافتتاح جرى بعيداً عن وسائل الإعلام.
وقال مصدر في محافظة حلب، فضّل عدم الكشف عن اسمه أو صفته الوظيفية، لسيريا ريبورت، إن إعادة افتتاح هذه المواقع ستتبعها عملية تفقد لأملاك اليهود السوريين ومحاولة استعادتها. وأضاف أن هذه الخطوات تأتي في إطار ما وصفه بتجاوب سلطات الإدارة الانتقالية مع السعي لإغلاق ما اعتبره حقبة سوداء من تاريخ البلاد في عهد النظام البعثي.
وبحسب ما نقله لسيريا ريبورت عدد من تجار حلب القدماء، فإن الإشكالية الأساسية المتعلقة بأملاك اليهود في المدينة لا تتصل بنزاع قانوني ناجم عن المصادرة، إذ ما زال معظم هذه العقارات مسجلاً بأسماء أصحابها الأصليين. وتكمن المشكلة، وفق هؤلاء، في مسائل حصر الإرث، باعتبار أن غالبية المالكين الأصليين يُعدّون متوفين، إضافة إلى احتمال وجود إشارات منع تصرف وُضعت على صحائف بعض العقارات بعد هجرة أصحابها. ولم تتمكن سيريا ريبورت من التحقق من هذه المعطيات، لعدم تمكنها من الاطلاع على أي صحف عقارية خاصة بهذه الأملاك.
في المقابل، أشار مراسل سيريا ريبورت إلى وجود حالات مؤكدة لغصب أملاك تعود ليهود حلبيين في أكثر من موقع داخل حي الجميلية. ويُقصد بغصب العقار وضع اليد عليه واستعماله من دون سند قانوني. وقدّر المراسل عدد الشقق والمحال المستولى عليها في الحي وحده، منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، بأكثر من 40 شقة ومحل، في مواقع متعددة أبرزها الشارع المقابل للمدخل الرئيسي لجامع الصديق، بين مديرية الصحة وتقاطع شارع اسكندرون، إضافة إلى امتداد شارع مبنى المالية باتجاه الشمال مروراً بالشارع المحاذي لمديرية النقل الداخلي.
وبحسب المراسل، فإن بعض غاصبي هذه العقارات هم من الجيران القدامى، فيما ينتمي آخرون إلى متنفذين سابقين في عهد نظام الأسد. وقد أخلى هؤلاء المتنفذون العقارات التي كانوا يسيطرون عليها بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، ليحل محلهم أشخاص جدد، بعضهم محسوب على الإدارة الانتقالية الحالية. كما أشار إلى أن قسماً من هذه الأملاك لم يعد صالحاً للسكن أو الاستثمار التجاري، نتيجة إهمالها لعقود طويلة، وتضرر بعضها خلال سنوات الحرب بين 2012 و2016، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بها جراء زلزال فبراير 2023.
ويتمتع حي الجميلية بمكانة خاصة بين أحياء حلب القريبة من مركز المدينة، إذ يُعد من أوائل الأحياء التي أُنشئت خارج أسواق المدينة القديمة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. واشتهر الحي بقصوره ومبانيه الحديثة والفخمة، وكان يضم كنيساً يهودياً كبيراً يُعرف باسم سلويرة، إذ كان من أوائل سكان الجميلية عائلات يهودية عدة، من بينها جداع وشماع وسيلفيرا، ممن تركت إرثاً معمارياً واقتصادياً واجتماعياً واضحاً في نسيج المنطقة.
