مدينة الرقة ضحية للترميم الذاتي
بعد انتقال إدارة مدينة الرقة إلى الإدارة الانتقالية في يناير 2026، برزت تحديات عمرانية تراكمت خلال الأعوام الماضية. فقد اعتمد الأهالي على جهودهم الذاتية في ترميم مساكنهم، فيما توسع البناء في أراضٍ زراعية خارج المخطط التنظيمي، وازدادت مخالفات البناء. وفي ظل بنية تحتية متضررة، وظهور تجمعات سكنية عشوائية، واكتشاف أنفاق ضمن أحياء مأهولة، تواجه الإدارة الجديدة للمدينة مهمة تنظيم الواقع العمراني القائم ووضع خطة إعادة إعمار واضحة.
الإدارة الانتقالية عيّنت مباشرة بعد انسحاب قسد، عبدالرحمن سلامة محافظاً للرقة، ومعاونين له، ومدراء تنفيذيين يتولون مسؤولية تنفيذ قراراته. لكن، لم يتم إلى اللحظة تعيين أعضاء مجلس المحافظة أو أعضاء المكتب التنفيذي. كما عيّنت الإدارة الانتقالية شحود عبدالعزيز رئيساً لمجلس المدينة، ولم يصدر أي قرار بعد بتعيين أعضاء المجلس. ومنذ سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، لم تتم أي انتخابات على مستوى البلديات والمحافظات، وتقوم الإدارة الانتقالية بتعيين جميع المسؤولين والموظفين على صعيد الإدارات المحلية.
في يناير 2026 انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من مدينة الرقة، لتتسلم إدارتها الحكومة الانتقالية المؤقتة بعد نحو 8 سنوات من إدارة المدينة من قبل الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا. وجاء ذلك في سياق مواجهات عسكرية واتفاقات سياسية، أبرزها اتفاق 10 يناير بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الحكومة الانتقالية، والتي أدت إلى انسحاب قسد من كامل محافظة الرقة. وكانت قسد قد دخلت الرقة في نهاية 2017، بدعم جوي من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية بقيادة الولايات المتحدة، عقب معارك استمرت قرابة عامين. المدينة كانت قد سقطت بيد التنظيم المتطرف في العام 2014، بعد معارك مع فصائل المعارضة المسلحة، لتصبح أول مدينة كبرى يسيطر عليها التنظيم في سوريا.
وقد انعكست هذه التحولات العسكرية والإدارية المتعاقبة بشكل مباشر على البنية العمرانية للمدينة. إذ تعرضت الرقة في العام 2017، لقصف مكثف من التحالف الدولي أدى إلى تدمير واسع قُدّر بنحو 80 بالمئة من مساكنها. وبحسب مراسل سيريا ريبورت، فقد انخفضت نسبة الدمار منذ ذلك الحين إلى وقتنا الراهن، بنسبة كبيرة، مع ترميم الأهالي منازلهم على نفقتهم الخاصة، بدعم محدود من منظمات إنسانية.
الأحياء القريبة من مركز مدينة الرقة القديم، مثل المأمون والمنصور والمهدي، البدو والدرعية، من أكثر الأحياء تضرراً نتيجة تمركز داعش سابقاً فيها. وحركة الترميم في هذه الأحياء ضعيفة بسبب الدمار واسع النطاق فيها. في حين أن أحياء الرملية والرشدية والمشلب والرومانية وحطين والقادسية واليرموك، أقل تضرراً، وقد شهدت خلال فترة سيطرة الإدارة الذاتية حركة ترميم كبيرة. هذا الترميم الذاتي جرى من دون خطة إعادة إعمار شاملة تقودها جهة رسمية، وبشكل عشوائي في أغلب الأحيان، ما تسبب بتزايد مخالفات البناء على نحو واسع.
كما ظهرت خلال السنوات الماضية مناطق عشوائية على أطراف المدينة الشرقية والغربية. وهذه المناطق كانت زراعية، أقيمت عليها في البداية مخيمات عشوائية، قبل بناء مساكن غير مرخصة. وتفتقر هذه العشوائيات الجديدة إلى الخدمات من صرف صحي ومياه وكهرباء، وتفتقر مساكنها بشدة لمعايير السلامة الانشائية.
وبحسب رئيس فرع نقابة المهندسين في الرقة محمد السلامة، الذي تحدث لسيريا ريبورت، فأن اعتماد الأهالي على أنفسهم في ترميم منازلهم جعل كثيراً منهم عرضة لاستغلال تجار العقارات، إذ باع عدد من المالكين شققهم السكنية بأسعار متدنية لعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف الترميم أو إعادة البناء. وعمد بعض تجار العقارات على شراء المساكن المتضررة ضمن ما عُرِفَ محلياً بـ”بيع هوا”، أي بيع مسكن متضرر بشدة، ليقوم التاجر بترميمه أو إعادة بناءه ثم بيعها بأسعار السوق. أحياء الرميلة والمنصور والقطار شهدت تركزا في هذا النوع من الترميم غير المرخص، والذي يفتقر بدوره للمعايير الهندسية للسلامة الإنشائية.
في الوقت ذاته، لا تتوفر حتى الآن أرقام دقيقة حول عدد المنازل المتضررة بشكل تفصيلي داخل الأحياء. ويعكس ذلك غياب قاعدة بيانات محدّثة حول الوضع العمراني للمدينة، رغم مرور سنوات على انتهاء المعارك الكبرى فيها، ما يحد من قدرة السلطات البلدية الجديدة على وضع سياسات تخطيطية تستند إلى معطيات دقيقة.
ولا تزال البنية التحتية في مدينة الرقة متضررة بشكل واسع، ووفق مدير الشؤون الفنية في مجلس المدينة وليد الأحمد، الذي تحدث لسيريا ريبورت، فإن شبكات الصرف الصحي وغيرها من المرافق الخدمية مدمرة بالكامل وتحتاج إلى إعادة تأهيل. كما قدّر الأحمد تكلفة إعادة تأهيل الطرق الرئيسية في المدينة بنحو 42 مليون دولار.
الأنقاض ما زالت قضية رئيسية في الرقة وقد وبدأ العمل بإزالتها منذ العام 2018 بمساعدة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية من الشوارع الرئيسية في أحياء المنصور و23 ورميلة والرشدية. إلى جانب ذلك، برزت مشكلة الأنفاق التي حُفرت خلال سنوات سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. وبحسب الأحمد، تم اكتشاف أنفاق في 30 موقعاً داخل المدينة، بينها مواقع ضمن أحياء سكنية. وقد جرى توثيق 50 فوهة نفق، يتراوح عمق بعضها بين 5 و6 أمتار. وجود هذه الأنفاق ضمن مناطق مأهولة يطرح مخاطر على الأبنية القائمة، ولا سيما في ظل عمليات الترميم والبناء التي تمت خلال السنوات الماضية من دون إشراف هندسي منظم.
بالتوازي مع الترميم الذاتي الذي شهدته المدينة خلال السنوات الماضية، ارتفعت نسبة البناء في مناطق زراعية محيطة بالرقة لم تكن داخلة ضمن المخطط التنظيمي المعتمد في العام 2009. ووفق مدير الشؤون الفنية في مجلس المدينة وليد الأحمد، فإن مساحة المدينة وفق المخطط التنظيمي تبلغ نحو 2400 هكتار، فيما تصل مساحتها مع امتداداتها غير المنظمة إلى نحو 3000 هكتار، ما يعكس اتساع العمران خارج حدود التنظيم. وأوضح الأحمد أن مجلس المدينة الحالي سيجري دراسة لتوسعة المخطط التنظيمي وتحديثه بما يتلاءم مع التغيرات التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية، ولا سيما التوسع العمراني في الأراضي الزراعية.
